المبحث الرابع عصر ابن مجاهد وتدوين القراءات
اشتهرت القراءة في الأمصار اشتهارا عظيما ، وصار كل إمام يقرئ بما سمع ، وكل يقرّ قراءة صاحبه ، على أساس أنه مشتمل بالإذن النّبوي الكريم في الإقراء بالأحرف السبعة ، ولكن ذلك النّهج مضى - كما هو مفترض - باتّجاه التّوسع في الإقراء حتى أصبحت مدارسه ومناهجه لا تنضبط بإطار ناظم ، وأصبح تصور الخطأ واللحن والشذوذ واردا في هذه الحالة الجماعية .
لذلك فقد بدأ الأئمة في مطلع القرن الثالث بتحديد القراءة المقبولة من القراءة المردودة ، ولا تحسب أن الأمر قبل ذلك كان على عواهنه ، بل كانت الأئمة تميز بسلائقها المقبول من المردود من القراءات ، وتعتمد لذلك اعتبارات كثيرة ، منها منزلة الإمام المقرئ ، والتزامه بالعربية فيما يقرئ فيه ، وموافقته للرسم ، وغير ذلك .
ثم اتفقت الأمة على شروط ثلاثة ، أصبحت ضابطا دقيقا في قبول القراءات وردّها ، وهذه الشروط هي :
1 - أن توافق وجها من وجوه النحو ، فلا يكون فيها شذوذ عن القواعد التي أصلها النّحاة لضبط كلام العرب .
2 - أن توافق رسم المصحف العثماني على الشكل الذي كتب في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ، وذلك قبل النّقط والشكل .
3 - أن يتواتر سندها متصلا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ بأن يرويها جمع عن جمع من أول السّند إلى منتهاه .
وكل قراءة لم تتحقق فيها الشروط السابقة كلها أو بعضها ؛ فقد اعتبرت قراءة شاذة تحرم القراءة بها ، ويحرم الاعتقاد أنها من القرآن « 1 » .
هامش
( 1 ) السبعة في القراءات لابن مجاهد . تحقيق د . شوقي ضيف ص 47 ، وهذه الشروط مستفيضة ولا يخلو من الإشارة إليها كتاب من كتب القراءات .