تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧

المبحث الثالث حكمة القراءات

إذا استقرّ لديك اليقين على أن هذه القراءات المتواترة جميعا قد قرأ بها النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأقرأها ؛ لم يكن لك أن تتوقف في إيمانك على العلة التي أدت إلى ذلك التّعدد ، ولا أن تسأل عن الضرورة التي ألجأت إليه ، فهو وحي أمين ، وهي إرادة اللّه عزّ وجلّ ، وهو
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
[ الأنبياء : 21 / 23 ] . ولكن التسليم بربانيّة مصدر هذه القراءات في سائر وجوهها لا يتناقض مع البحث عن حكمها وأسرارها ودلالاتها ، وهي التي يمكن أن يتلمسها المرء لدى دراسته لوجوه هذه القراءات ومعانيها . والنتيجة التي ينتهي إليها كل باحث ، من خلال قراءة واقع اللغة العربية قبل الإسلام ، هي أن اللغة العربية كانت في حالة مخاض عسير ، ولم يكن بالإمكان تصوّر ما تنجلي عنه تلك الحالة الصعبة ، فقد ترسّخت العقدة القبلية لدى كثير من العرب ، وحلّت محلّ الإحساس القومي ، وتوزع كثير من العرب في ولاءاتهم بين الفرس والرّوم والحبشة ، وظهرت فيهم تيارات محلية ضمن قوقعة الذات ؛ تدعو إلى إحلال اللهجات المحلية محل اللغة العربية الشاملة ، وظهرت حينئذ لهجات عربية ضالّة لا يمكن أن تلتقي على أصول واحدة إلّا مع استثناءات كثيرة تفوق الحصر وتخرج عن المنهج المطّرد . ومما وصل إلينا من أشكال التقارب بين اللهجات العربية على سبيل المثال : كشكشة تميم ، وسكسكة بكر ، وشنشنة تغلب ، وغمغمة قضاعة ، وطمطمانية حمير ، ورتة العراق ، وهي كما نرى لهجات منسوبة إلى قبائل بعينها . وثمة انحرافات لغوية أخرى لم تنسب إلى قبائل بعينها ، ولكنها كانت شائعة فاشية ، كالفأفأة ، واللثغة ، والغنّة ، واللّكنة ، والعقلة ، والحبسة ، والتّرخيم ، والتّمتمة ، واللفف ، والارتضاخ ، والرّطانة .