تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١

تمهيد في طبيعة اختلاف القراءات وجدواها :

لا بدّ هنا من التّذكير بالقاعدة التي بسطنا القول فيها « 1 » حول وجوب إعمال القراءات المتواترة جميعا ، وأن تعدد القراءات ينزّل منزلة تعدّد الآيات ، وكلاهما قاعدة اتّفاقية لا يوجد لها مخالف من أهل التوحيد . وإذا نقل عن بعض الأقدمين تشكّكهم في بعض وجوه القراءة المتواترة ؛ فإن مردّ ذلك بكل تأكيد هو عدم ثبوت تواتر هذه القراءة عندهم في ذلك الزمان . أما وقد اتّفقت الأمة على التّواتر في هذه الوجوه ، فلا مندوحة من القول بأن سائر هذه الوجوه قرآن منزل ، بالاتفاق بين سائر أهل الملّة . كذلك ينبغي القول بأن هذه الاختلافات ليست متناقضة بمعنى أن المفسّر يلجأ إلى هدر أحد الوجهين إذا اعتمد الآخر ؛ بل هي ذات معان متضامنة يكمل بعضها بعضا ، وقد يدلّ الوجه على ما لا يدلّ عليه أخوه ، ولكنه لا ينافره ولا يضادّه ، بل يمنحك معنى جديدا يضيء لك سبيل التفسير . ثم إن هذه الوجوه كما سنرى يسيرة قليلة ، وهي لا تشبه في شيء اختلاف الأمم الأولى في كتبها ، لا شكلا ولا مضمونا . فمن حيث الشكل يختلف أهل الكتاب في إثبات أسفار بحالها أو إسقاطها ، ربما تتجاوز عدتها عشرات الصفحات ، فأين ذلك مما نحن فيه من إثبات فتحة أو ضمة ، أو واو أو فاء ، أو فتح أو إمالة ، أو إدغام أو إظهار . ومن حيث المضمون فإن اختلافهم في ثبوت الأسفار ينتج عنه تبدل عقائد كاملة ، ونقض أول النصوص لآخرها ، وآخرها لأولها ، واتّهام قوم لقوم بالعبث والهوى والتّحريف والتّبديل ، فأين ذلك مما نحن فيه من تكامل المعاني بوجوه القراءات المتواترة المشروعة ، وتآزر الوجوه جميعا على إثبات غايات التّنزيل ومقاصده ، وتلقي سائر القرّاء وجوه القراءة المتواترة جميعها بالقبول والاحترام ، والاتّفاق بينهم أن سائر ما في الصحف تنزيل من الوحي الأمين ، ما لأحد فيه أدنى اجتهاد أو اختراع .
هامش
( 1 ) انظر ص 34 .
القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 121 | محمد الحبش