" التابوت " فإنما نزل القرآن على لسان قريش « 1 » . وهذا في حد ذاته يدل على كون الكلمة عربية في أصل وضعها .
وكلام عثمان الذي جاءت به هذه الرواية يفيد أن معظم القرآن ، لا كله ، نزل بلغة قريش بخلاف الرواية الأولى التي أوردناها عنه ، والتي تقرر أن القرآن كله نزل بلهجة قريش ، الشيء نفسه يؤكده ابن قتيبة وغيره ممن قالوا إن القرآن لم ينزل إلا بهذه اللغة لقوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
( إبراهيم : 4 ) وقد أسندوا أيضا قولا ثالثا إلى عثمان وهو قوله : " نزل القرآن بلغة مضر " « 2 » .
وهذه الرواية الأخيرة ، معارضة بما سبق أن ذكرناه من قول عثمان إن القرآن " نزل بلغة قريش " وهي أقوى لأنها من رواية ثقات أهل المدينة .
وقال فريق آخر من العلماء : " أصل ذلك أن لغة القرآن وقاعدته لسان قريش ، ثم بنو سعد لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم استرضع فيهم ، ونشأ وترعرع وهو مخالط في اللسان لهم ، وهذيلا ، وثقيفا ، وخزاعة وأسدا أو ضبة وحلفاءها لقربهم من مكة وتكرارهم عليها " ؛ وقد ذكرنا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يعرف لغات العرب ويخاطبهم ويحاورهم بها ، وضربنا على ذلك الأمثال .
وفي الإتقان للإمام السيوطي باب بعنوان " فيما وقع ( أي في القرآن ) بغير لغة الحجاز " « 3 » ومن الثبت الذي قدمه السيوطي « 4 » يمكن أن نستخلص أن في القرآن ألفاظا من جميع لغات العرب ، لذلك كان الجميع يفهم ما في القرآن . ومن القراء من ذكروا ذلك أيضا في معرض شرح حديث " أنزل القرآن على سبعة أحرف " . لكنهم اختلفوا في تحديد معنى السبع المشار إليها في هذا الحديث كما اختلفوا في تعيين السبعة حروف ما هي ؟ وهل هي لهجات أم قراءات ؟ وباستعراض ما اعتبره بعض العلماء من الحروف السبعة ، واستعراض روايات الباب نجد أنفسنا مطمئنين إلى القول بأن القرآن لم ينص على لهجة بعينها لا لهجة قريش ولا غيرها « 5 » .
هامش
( 1 ) أبو عمرو بن سعيد الداني ( ت 444 ه ) " المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار مع كتاب النقط " تحقيق محمد أحمد دهمان . دمشق . دار الفكر ط 1 / 1404 ص 4 .
( 2 ) انظر : المصدر نفسه ص 219 .
( 3 ) انظر السيوطي . الإتقان : 2 / 89 - 104 ، 220 .
( 4 ) المصدر نفسه 19 ، 20 .
( 5 ) الإتقان 1 / 256 .