طار نقّاد الإسلام بهاتين الروايتين الضعيفتين كل مطير ، واستنتجوا منهما ما شاء لهما الخيال أن يستنتجوا ؛ لقد رأوا فيهما اعترافا من قبل عثمان نفسه بأن رسم المصحف العثماني ليس موضع ثقة ، وأن الصحابة رضوان اللّه عليهم لم يجمعوا عليه ، وأن ما تضمنه هذا المصحف لم يكن توقيفيا .
هذا مع أن الروايتين ضعيفتان من حيث الإسناد مضطربتان من حيث المتن . أما من حيث الإسناد ، فقد قال الألوسي : " إن ذلك لم يصح عن عثمان أصلا ولسنا ندري من قاله ومن تحمله " . وأما من جهة المتن ، فإن فيهما تناقضا إذ كيف يقول عثمان أولا أحسنتم وأجملتم " ؛ ثم يقول " إن في القرآن لحنا ستقيمه العرب بألسنتها " ؛ على الرواية الأولى ، وكيف يقر ذلك عثمان ذو النورين المعروف بقوة فراسته ، وهو إمام الأمة ومقدمها في عمل المصحف الإمام . هذا مع أن الرواية الثانية تختلف عن الأولى في متنها ، فقد زادت عليها في مواضع ونقصت عنها في أخرى ، والموضوع واحد بعينه .
ولا ينبغي أن يفوتنا أن ننبه على أن ابن أبي داود السجستاني لم يترك هذه الرواية دون تعليق ، إذ يقول : " هذا عندي ، يعنى بلغتها ، وإلا لو كان لحن لا يجوز في كلام العرب جميعا ، لما استجاز أن يبعث به إلى قوم يقرءونه " « 1 » .
ثم إننا قد ذكرنا أن عثمان كان يشرف بنفسه على هذا العمل الجليل ، ولم يكن هو بالذي يترك الكتّاب حتى يكملوا كتابة المصحف دون أن يفطن لهذا اللحن المزعوم .
على أننا واجدون رواية أخرى تؤكد شدة ضبط عثمان وحيطته في رسم المصحف " أخرج أبو عبيد عن عبد الرحمن بن هانئ ، مولى عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ، قال - كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف فأرسلني بكتف شاة إلى أبي بن كعب فيها ( لم يتسن ) « 2 » وفيها ( لا تبديل للخلق ) « 3 » ، وفيها ( فأمهل الكافرين )
هامش
( 1 ) كتاب المصاحف ص 32 .
( 2 ) البقرة : 256 .
( 3 ) الروم : 30 .