اللّه تعالى قد راعى الظروف والأحوال والحاجات بالنسبة للمكلفين ، كما راعاها في تنزيل القرآن منجما . وقد نسخ تعالى كذلك أحكاما وتكاليف كانت على أمم سابقة ، وذلك من باب التخفيف على المسلمين .
والناسخ والمنسوخ في القرآن يعتبر من موضوعات القرآن ومن تعاليمه سبحانه وتعالى ؛ والإيمان به واجب ، كالإيمان بثبوت الأحكام القرآنية وثباتها ، وبأن كل آية في القرآن هي من كلام اللّه تعالى .
إن ما يشتمل عليه عليه القرآن من ناسخ ومنسوخ معروف لأهل العلم من المسلمين ؛ وهو قليل في كتاب اللّه . وقد ارتبط النسخ بوقت تنزل القرآن ، أما بعد وفاته صلى اللّه عليه وسلم فغير جائز على الإطلاق « 1 » ، ومن تحققت معرفته بالنسخ علم أن غالب ما وقع في القرآن من المنسأ ، وأن من هذا النسخ ما يرجع لبيان الحكم المجمل ، أخّر بيانه لوقت الحاجة ؛ أو هو خطاب واحد توسطه خطاب آخر غيره ؛ أو هو خصوص من عموم ؛ أو حكم عام لخاص ؛ أو لمداخلة معنى في معنى . وينبغي أن تعلم أن أنواع الخطاب في القرآن كثيرة ومتنوعة ، وربما خلط بعض الناس في فهم النسخ ، ونوع الخطاب ، مقدرا من الأول ما هو من الأخير « 2 » .
ومن المفيد أن نلفت النظر إلى ما في قوله تعالى :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها
من سرّ ينبغي ملاحظته ، وهو أن اللّه تعالى لم يقل " ما ننسخ من القرآن " لأن القرآن لا ينسخ ، وإنما ينسخ حكم في آية بحكم آخر ما ، وكلا الحكمين يشملهما كلامه عزّ وجل ، كما أشرنا إليه فيما سبق . والقرآن ناسخ لما سبقه من كتب ، ومهيمن عليها ، وهو خاتمها ولا يأتي بعده ناسخ له أبدا .
والنسخ ثابت بالقرآن ، كما في الآية السابقة ، وكما في قوله تعالى :
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ
( النحل : 101 ) . والعلم بالناسخ والمنسوخ واجب على كل مفسر وعالم بكتاب اللّه متصدر للفتوى ؛ ولا يجوز لأحد أن يفسر القرآن ، أو أن يفتى إلا بعد أن يلم بهذا العلم . وقد قال الإمام على كرم اللّه وجهه لأحد القصّاص : " أتعرف الناسخ والمنسوخ " قال : " اللّه أعلم " ، قال : " هلكت وأهلكت " « 3 » .
هامش
( 1 ) انظر : البرهان 2 / 40 .
( 2 ) المصدر نفسه 2 / 43 ، 44 .
( 3 ) البرهان 2 / 28 ، 29 .