أن لا أخرج من بيتي حتى أؤلف كتاب اللّه ( أي أجمعه ) فإنه في جرائد النخل ، وفي أكتاف الإبل " « 1 » .
وروى علي بن إبراهيم القمي ، من ثقات محدثي الإمامية ، في تفسيره ، عن أبي بكر الحضرمي ، عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد رضى اللّه عنهم قال : " إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : قال لي " يا علي إنّ القرآن خلف فراشي ، في الصّحف ، والحرير ، والقراطيس ، فخذوه واجمعوه ، ولا تضيّعوه كما ضيّعت اليهود التّوراة " . وانطلق عليّ رضي اللّه عنه ، فجمعه في ثوب أصفر ، ثم ختم عليه " .
والروايات كثيرة في أن وضع الآيات في مواضعها في القرآن كان بأمره صلى اللّه عليه وسلم ، وأنها بتوقيفه صلى اللّه عليه وسلم ، وفي هذه الروايات ما يدل على أن آيات القرآن كتبت بين يديه وبأمره صلى اللّه عليه وسلم « 2 » .
ومن هذا كله يتبين أن القرآن بأكمله قد كتب بأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وبحضرته وظل مكتوبا حتى جاء أبو بكر فجمعه الجمع الأول من المواد المذكورة المتفرقة إلى الصحف ؛ ثم جاء عثمان فجمعه الجمع الثاني في المصحف الأم كما سنبينه . ولم يجمعه النبي صلى اللّه عليه وسلم في كتاب له دفتان ، لأن الوحي كان لا يزال ينزل عليه ؛ بل إن في جمع الصحابة للقرآن دليل على أنه كان مكتوبا على المواد التي ذكرناها سابقا ؛ وإلا لما كان لجمعهم معنى ، إذ أن كلمة " جمع " في حد ذاتها تعنى تجميع الأشياء المتفرقة وحصرها ، ووضعها في مكان واحد ، أو نظمها في سلك بعينه . وهذا ما تؤيده أحاديث جمع القرآن بصفة عامة ، وتتواتر عليه الأدلة الكثيرة ؛ وأولها وأعلاها جميعا دليل القرآن ؛ فقد تضمن القرآن الوعد الإلهى بحفظ هذا الكتاب :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
( الحجر : 9 ) ،
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
( فصلت : 42 ) ،
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
( القيامة : 17 ) .
واستشهاد المعارض بآية سورة البقرة
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها
( البقرة : 106 ) على حدوث تغيير في القرآن ، ضرب من التعميم والتعمية في آن واحد ، فالآية أولا تسند عملية النسخ إلى اللّه تعالى ، لا إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ وإذن فلا دخل له صلى اللّه عليه وسلم
هامش
( 1 ) الزنجاني . تاريخ القرآن ص 19 والزركشي . البرهان ج 1 ص 238 .
( 2 ) انظر : أبو عبد اللّه الزنجاني . تاريخ القرآن . ص ص 50 - 51 .