العلم بالسبب يورث العلم بالمسبّب » « 1 » ومفسّرنا - كغيره من المفسّرين أعطى هذا الموضوع أهميّة خاصّة ، حيث أشار إلى سبب النزول ، وذكر آراء العلماء والمفسّرين فيها ، وكان يرجّح ما يطمئنّ إليه عندما يذكر للمفسّرين أكثر من سبب في نزول آية ما ، وقد غطّى موضوع أسباب النزول صفحات عديدة من تفسيره التبيان ، نورد هنا بعض الأمثلة على ذلك منها قوله في سبب نزول الآية الكريمة :
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
« 2 » قال :
وروي عن ابن عبّاس وسعيد أنّ الآية نزلت في اليهود ، حيث كانوا يفرحون بإجلال الناس لهم ونسبهم إيّاهم إلى العلم ، وقال الضحّاك والسدي : نزلت في اليهود حين فرحوا بما أثبتوا من تكذيب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله .
وقال سعيد بن جبير : فرحوا بما أتى اللّه آل إبراهيم ، وقال ابن عبّاس : إنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله سألهم عن شيء فكتموه ، ففرحوا بكتمانهم ؛ وأقوى هذه الأقوال أن يكون قوله :
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ
يعني بها من أخبر اللّه عنهم أنّه أخذ ميثاقهم ؛ ليبيّن للناس أمر محمّد صلّى اللّه عليه وآله ولا يكتمونه ؛ لأنّ قوله
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ
في سياق الخبر عنهم وشبيه قصّتهم ، مع أنّ أكثر أهل التأويل عليه « 3 » .
وهكذا نجد الشيخ الطوسي يطرح جملة آراء لعدد من المفسّرين ثم يتبنّى رأيا آخر ويصفه بالأقوى ومن ذلك قوله تعالى :
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
« 4 »
قال الشيخ الطوسي :
هامش
( 1 ) . ابن تيميّة ، مقدمة في أصول التفسير ، ص 47 .
( 2 ) آل عمران ( 3 ) الآية 188 .
( 3 ) . الطوسي ، التبيان ، ج 3 ، ص 77 .
( 4 ) . آل عمران ( 3 ) الآية 199 .