ومما يوضح مقدار عناية علماء التجويد بالتدريب العملي لنطق الأصوات ، ومكابدتهم ذلك مع الطلبة قول مكي أيضا : « وكل ما ذكرته من هذه الحروف لم أزل أجد الطلبة تزل بهم ألسنتهم إلى ما نبهت عليه ، وتميل بهم طباعهم إلى الخطأ فيما حذرت منه ، فبكثرة تتبعي لألفاظ الطلبة بالمشرق والمغرب وقفت على ما حذرت منه ، ووصيت به من هذه الألفاظ كلها ، وأنت تجد ذلك من نفسك وطبعك » « 1 » .
وقد جعل ابن الجزري التدريب ورياضة اللسان الطريق الأمثل لتحصيل التجويد ، فقال :
« ولا أعلم سببا لبلوغ نهاية الإتقان والتجويد ، ووصول غاية التصحيح والتسديد مثل رياضة الألسن والتكرار على اللفظ المتلقّى من فم المحسن . . . » « 2 » .
وهناك قضية تتصل بالاتجاه التعليمي للأصوات العربية عند علماء التجويد ، وهي أنهم مع تأكيدهم ضرورة التلقي من فم الشيخ المحسن ينصّون على ضرورة استخدام الحس النقدي عند التلقي ، واجتناب التقليد المحض ، فيجب على الطالب أن يعرض ما يتلقاه عن شيخه على الأصول المقررة في كتب علم التجويد ، خشية أن يكون شيخه قد وهم في بعض ما يلقنه إياه .
قال الداني : « وقراء القرآن متفاضلون في العلم بالتجويد والمعرفة بالتحقيق ، فمنهم من يعلم ذلك قياسا وتمييزا ، وهو الحاذق النبيه ، ومنهم من يعلمه سماعا وتقليدا ، وهو الغبي الفهيه « 3 » . والعلم فطنة ودراية آكد منه سماعا ورواية ، وللدراية ضبطها ونظمها ، وللرواية نقلها وتعلمها ، والفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء ، واللّه ذو الفضل العظيم » « 4 » .
وينازع الداني هذا النص عالم آخر ، وهو معاصره مكي بن أبي طالب ، فقد نقله في كتابه ( الرعاية ) بنصه تقريبا ، مع تصريحه في أول النص بأنه نقله من غيره ، حيث قال : « وقد وصف من تقدمنا من المقرئين والقراء ، فقال : القراء يتفاضلون في العلم بالتجويد . . . » « 5 » .
وقد ناقش تلك القضية ، أعني التدقيق في التلقي عن الشيوخ ، الأستاذ محمد المرعشي الملقب ساجقليزاده ( ت 1150 ه ) في كتابيه ( جهد المقل ) و ( بيان جهد المقل ) . فقال في الكتاب الأول : « وتجويد القرآن قد يحصله الطالب بمشافهة الشيخ المجود بدون معرفة مسائل
هامش
( 1 ) الرعاية ص 144 .
( 2 ) النشر 1 / 213 .
( 3 ) الفهيه : هو الكليل اللسان العييّ عن حاجته ( انظر : ابن منظور : لسان العرب 17 / 421 مادة فهه ) .
( 4 ) التحديد 2 و .
( 5 ) الرعاية ص 69 - 70 .