ونحن اليوم إذا أصغينا إلى قراء القرآن المتقنين وهم يطبقون المدود في مواضعها ويعطون كل حرف حقه من المد وجدنا ذلك لطيفا سائغا لا تكلف فيه ولا اضطراب ، وإذا سمعنا قارئا يمد في غير مواضع المد بدا ذلك نابيا معيبا ثقيلا على الآذان ، مما يدل على أن أحكام المد إنما بنيت على أساس صوتي صحيح .
وأثار بعض علماء التجويد قضية قل من تعرض لها ، وهي أن مراعاة أحكام المد ليس لازمة في كل أشكال النطق العربي ، وأنها تلزم في قراءة القرآن فحسب ، فقد قال مكي بن أبي طالب : « والهمزة إذا وقعت بعد حرف المد واللين لك أن تدع إشباع المد في الكلام ، فتقول :
صائم وقائم بغير إشباع ، قد ثبتت الألف والهمزة ولا تشبع ، فأما في القرآن فلا بد من إشباع المد اتباعا للرواية » « 1 » . وما قاله ابن جني من أن حروف المد الثلاثة : « إذا أوقعت بعدهن الهمزة أو الحرف المدغم ازددن طولا وامتدادا » « 2 » . يشير إلى أن المد ثابت في كلام العرب .
كل ما في الأمر أن قراءة القرآن يجب أن تتوفر فيها كل مظاهر العناية والإتقان في توفية الحروف حقوقها من الأحكام الخاصة بها ، بينما تتفاوت درجة عناية المتكلم بنطقه فيما عدا القرآن الكريم .
د - أقسام المدود :
ترتبط ظاهرة المد بسببين هما : وقوع الهمزة أو الساكن بعد حرف المد ، وقد قسم علماء التجويد المتقدمون المد على هذا الأساس ، لكن غلب على كثير من المتأخرين منهم الحرص على تنويع تلك الأقسام حتى خرج الأمر إلى ما لا فائدة منه .
وكان الداني ( ت 444 ه ) من أوائل علماء التجويد الذين حاولوا وضع مصطلحات محددة لأقسام المد ، وذلك حيث قال : « وأما الممدود فعلى ضربين : طبيعي ومتكلف .
فالطبيعي : حقه أن يؤتى بالألف والياء والواو التي هي حروف المد واللين ممكنات على مقدار ما فيهن من المد الذي هو صيغتهن ، من غير زيادة ولا إشباع ، وذلك إذا لم تلق واحدة منهن همزة ولا حرفا ساكنا ، ويسمّي هذا الضرب القراء مقصورا . . .
والمتكلف حقه أن يزاد في تمكين الألف والياء والواو على ما فيهن من المد الذي لا يوصل إلى النطق لهن إلا به ، من غير إفراط في التمكين ، ولا إسراف في التمطيط ، وذلك إذا
هامش
( 1 ) الكشف 1 / 68 .
( 2 ) سر صناعة الإعراب 1 / 20 .