3 - ترتيب الحروف التي تشترك في مخرج واحد :
والقضية الأخرى التي شغل بها علماء التجويد كثيرا ، هي قضية ترتيب الحروف التي تخرج من مخرج واحد ، فقول سيبويه : ( ومن أوسط الحلق العين والحاء ) « 1 » هل يعني أن العين قبل الحاء أو أنه لم يقصد بينهما ترتيبا ؟ وقد كان أبو الحسن علي بن محمد بن خروف ( ت 606 ه على خلاف ) قد قال : « إن سيبويه لم يقصد ترتيبا فيما هو من مخرج واحد » « 2 » .
وكان أبو حيان قد قال : « وظاهر كلام سيبويه أن الحاء بعد العين ، وهو نص كلام مكي ابن أبي طالب . ويظهر من كلام المهدوي أن العين بعد الحاء ، وهو نص أبي الحسن شريح » « 3 » . ونقل ابن الجزري كلام أبي حيان في كتابه النشر « 4 » . وقد قال الدكتور إبراهيم أنيس أن هذا الخلاف وهمي ، وأن التجارب الحديثة قد دلت على أن لكل صوتين من أصوات الحلق حيزا معينا ، يحلان فيه معا دون ترتيب لأحدهما على الآخر ، وأيد كلامه بقول ابن حروف السابق « 5 » .
السؤال الآن : هل الخلاف في ترتيب الحروف التي تنتج من مخرج واحد خلاف وهمي ، فيكون علماء التجويد قد أخطئوا في هذا الموضوع جملة وتفصيلا ؟ .
إن وسائل دراستنا محدودة لا تعدو الملاحظة الذاتية ، مع الاستفادة من النتائج التي توصل إليها دارسو الأصوات من المحدثين . فإذا كانت ( التجارب الحديثة ) قد دلت على خطأ موقف علماء التجويد ، فنحن لا نملك بالملاحظة الذاتية فقط أن نثبت العكس في موضوع دقيق جدا ، لأن علماء التجويد حين قالوا بأن العين قبل الحاء مثلا كانوا يدركون التقارب الشديد بينهما ، ومن ثم نشأت تلك الآراء الثلاثة : ( قبل - مع - بعد ) . ولولا ما عثرنا عليه من نصوص لبعض علماء التجويد حول الموضوع لاكتفينا بما دلت عليه التجارب الحديثة ، لكن تلك النصوص لا تسمح للباحث المدقق أن يمر عليها دون أن يتساءل عن الأسس التي بنيت عليها ، وعن مقدارها من الصحة .
كان محمد المرعشي قد قال وهو يتحدث عن الظاء والذال والثاء : « فاللسان يقرب إلى
هامش
( 1 ) الكتاب 4 / 433 .
( 2 ) أبو حيان : ارتشاف الضرب ص 3 . وابن الجزري : النشر 1 / 199 .
( 3 ) ارتشاف الضرب ص 2 .
( 4 ) النشر 1 / 199 .
( 5 ) الأصوات اللغوية ص 114 - 115 .