وإنما وسعنا الأمر توسيعا يليق بما امتازت به الشريعة الإسلامية من المرونة والصلاحية لكل زمان ومكان ، وبما عرف عنها من إيثار التيسير على التعسير .
والتخفيف على التشديد . . . ) « 1 » اه .
فأنت ترى من هذا المقال مقدار ما وصل إليه الكاتب من الجرأة على كتاب اللّه ، إذ أول آية السرقة وآية الزنى تأويلا غير مقبول بأي حال من الأحوال ، ومن ينظر إلى آية السرقة وآية الزنى لا يفهم منهما إلا أن الأمر فيهما للوجوب ، فليس لأحد أن يعدل عنه مطلقا ، وذلك الأمر في قوله تعالى
« فَاقْطَعُوا »
وقوله
« فَاجْلِدُوا »
وارد في الوجوب القاطع ؛ فإن بناء الأمر بالقطع في آية السرقة على قوله
« وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ »
، وبناء الأمر بالجلد في آية الزنى على قوله
« الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي »
يصرفه عن احتمال الإباحة إلى الوجوب ؛ وهذا لأن تعليق الحكم على شخص ، موصوف يوصف يؤذن بأن المنقضى للحكم هو ذلك الوصف الذي قام بالشخص ، وإذا كان ذلك الوصف جناية مثل السرقة والزنى ووضع الشارع لهما حكما في صيغة الأمر ولم يذكر حكما غيره ، لا يصح أن يقال : إن هذا الأمر محتمل للإباحة كما احتملها الأمر في قوله
« خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ . . . »
الآية .
ثم إن قوله تعالى في آية السرقة
« جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ »
وقوله في آية الزنى
« وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ »
وقوله
« وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »
يؤكد أن الأمر في الآيتين للوجوب لا للإباحة .
ثم إن هناك من سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم القولية والعملية ما يؤكد كون الأمر للوجوب في الآيتين .
فهل يجوز للكاتب بعد هذا كله أن يتهجم على آيات الحدود بمعول ذلك التأويل الذي تنكره اللغة . ولا تقره السنة ولا يتفق وحكمة التشريع ؟
هامش
( 1 ) السياسة الأسبوعية ص 6 من العدد السادس من السنة السادسة ( 50 فبراير ( سنة 1937 م