ونظر الكتاب والشعراء إلى ما فيه من جزالة اللفظ ، وبديع النظم ، وحسن السياق ، والمبادئ والمقاطع ، والمخالص ، والتلوين في الخطاب ، والإطناب ، والإيجاز ، وغير ذلك واستنبطوا منه المعاني ، والبيان ، والبديع .
ونظر فيه أرباب الإشارات ، وأصحاب الحقيقة ، فلاح لهم من ألفاظه معان ودقائق ، جعلوا لها أعلاما اصطلحوا عليها ، مثل : الفناء ، والبقاء والحضور ، والخوف ، والهيبة ، والأنس ، والوحشة ، والقبض والبسط ، وما أشبه ذلك .
هذه الفنون أخذتها الملة الإسلامية منه ، وقد احتوى على علوم أخر من علوم الأوائل مثل : الطب ، والجدل ، والهيئة ، والهندسة ، والجبر ، والمقابلة ، والنجامة ، وغير ذلك من العلوم .
أما الطب : فمداره على حفظ نظام الصحة واستحكام القوة ، وذلك إنما يكون باعتدال المزاج بتفاعل الكيفيات المتضادة ، وقد جمع ذلك في آية واحدة وهي قوله تعالى
« وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
« 1 » » وعرفنا فيه بما يفيد نظام الصحة بعد اختلاله ، وحدوث الشفاء للبدن بعد اعتلاله في قوله تعالى
« شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ
« 2 » » . ثم زاد على طب الأجسام بطب القلوب ، وشفاء الصدور .
وأما الهيئة : ففي تضاعيف سورة من الآيات التي ذكر فيها ملكوت السماوات والأرض ، وما بث في العالم العلوي والسفلى من المخلوقات .
وأما الهندسة : ففي قوله تعالى
« انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ « لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ
« 3 » » ، فإن فيه قاعدة هندسية ، وهو أن الشكل المثلث لا ظل له .
وأما الجدل : فقد حوت آياته من البراهين ، والمقدمات ، والنتائج ، والقول
هامش
( 1 ) في الآية ( 67 ) من سورة الفرقان .
( 2 ) في الآية ( 69 ) من سورة النحل .
( 3 ) الآيتان ( 30 و 31 ) من سورة المرسلات