تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير والمفسرون — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
اللّه تعليمهم في سرائرهم بما أنزله في كتبه وعلى ألسنة رسله وهو العلم الصحيح عن العالم المعلم الذي لا يشك مؤمن في كمال علمه ولا غير مؤمن ؛ فإن الذين قالوا : إن اللّه لا يعلم الجزئيات ما أرادوا نفى العلم عنه ، وإنما قصدوا بذلك أنه تعالى لا يتجدد له علم بشيء ، بل علمها مندرجة في علمه بالكليات ، فأثبتوا له العلم سبحانه مع كونهم غير مؤمنين ، وقصدا تنزيهه سبحانه في ذلك وإن أخطئوا في التعبير عن ذلك ، فتولى اللّه بعنايته لبعض عباده تعليمهم بنفسه بإلهامه وإفهامه إياهم
« فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
« 1 » » في إثر قوله :
« وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها
« 1 » » فبين لها الفجور من التقوى إلهاما من اللّه لها لتجتنب الفجور وتعمل بالتقوى ) . ( وكما كان أصل تنزيل الكتاب من اللّه على أنبيائه ، كان تنزيل الفهم على قلوب بعض المؤمنين به ، فالأنبياء عليهم السلام ما قالت على اللّه ما لم يقل لها ، ولا أخرجت ذلك من نفوسها ولا من أفكارها ، ولا تعلمت فيه ، بل جاءت من عند اللّه ، كما قال تعالى :
« تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
« 3 » » وقال فيه إنه
« لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
« 3 » » وإذا كان الأصل المتكلم فيه من عند اللّه ، لا من فكر الإنسان ورويته - وعلماء الرسوم يعلمون ذلك - فينبغي أن يكون أهل اللّه العاملون به أحق بشرحه وبيان ما أنزل اللّه فيه من علماء الرسوم ، فيكون شرحه أيضا تنزيلا من عند اللّه على قلوب أهل العلم كما كان الأصل . وكذا قال علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه في هذا الباب ( ما هو إلا فهم يؤتيه اللّه من يشاء من عباده في هذا القرآن ) . فجعل ذلك عطاء من اللّه ، يعبر عن ذلك العطاء بالفهم عن اللّه ، فأهل اللّه أولى به من غيرهم . فلما رأى أهل اللّه أن اللّه قد جعل الدولة في الحياة الدنيا لأهل الظاهر من علماء الرسوم ، وأعطاهم التحكم في الخلق بما يفتون به ، وألحقهم بالذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون - وهم في إنكارهم على أهل اللّه يحسبون أنهم يحسنون صنعا - سلم أهل اللّه لهم أحوالهم لأنهم علموا من أين تكلموا ، وصانوا عنهم
هامش
( 1 ) الآية ( 7 ، 8 ) من سورة الشمس . ( 3 ) في الآية ( 42 ) من سورة فصلت ؛ على التقديم والتأخير .
التفسير والمفسرون — صفحة 372 | محمد حسين الذهبي