التعارض بين أقسام واضح الدلالة :
تمت الإشارة إلى أن أقسام واضح الدلالة ليست على درجة واحدة من الوضوح وإنما هي متفاوتة المراتب في ذلك ، وتظهر ثمرة هذا التفاوت عند التعارض حيث يقدم الأقوى من المتعارضين ، ولا بد هنا من إعادة القول بأن التعارض بين نصوص القرآن هو تعارض ظاهري ، وهو الذي مردّه نظر الناظر وبحثه ، وأما التعارض الحقيقي فمنتف عن نصوص الشريعة الإسلامية .
أولا : التعارض بين الظاهر والنص : إذا وقع تعارض بين آيتين من القرآن الكريم إحداهما نصّ في الدلالة على المعنى والأخرى ظاهر في الدلالة ، فكيف الخلاص من هذا التعارض ؟ هل بالجمع والتوفيق بين المعنيين ؟ أم بتقديم أحدهما على الآخر ؟ وللإجابة على هذه التساؤلات لا بد أن نذكر مثالا على التعارض بين الظاهر والنص . ففي قوله تعالى :
* وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ
[ البقرة : 233 ] وقوله جل جلاله :
وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً
[ الأحقاف : 15 ]
فالآية الأولى تنصّ على مدة الإرضاع حولين كاملين ، والآية الثانية ظاهرة بأن مدة الإرضاع ثلاثون شهرا مع الحمل . فإذا ما تم التدقيق بين دلالة الآيتين فلا يوجد تعارض ، لأن الآية الثانية تجمع مدة الحمل والإرضاع ، وإذا ما حذفت مدة الحمل بأقصر مدة للحمل وهي ستة أشهر فيبقى للإرضاع حولان كاملان . وكذلك بتقديم النص على الظاهر كما يقول علماء الأصول تكون مدة الإرضاع حولين فقط ، وهو ما ذهب إليه الصاحبان بخلاف ما ذهب إليه أبو حنيفة بأن مدة الإرضاع ثلاثون شهرا « 1 » .
هامش
( 1 ) - انظر كشف الأسرار للنسفي 1 / 208 .