الأشياء البيع والخلة والشفاعة تنفعهم » « 1 » . وقد ذكر الرازي للقفّال أن الله عز وجل « لا يأذن في الشفاعة لغير المطيعين لأنه لا يجوز في حكمته التسوية بين أهل الطاعة وأهل « المعصية » « 2 » .
أما القرطبي ( ت 671 ه ) فرأى الشفاعة حقا في مذهب « أهل الحق » ذاكرا أنّ المعتزلة أنكروها وخلّدوا المؤمنين من المذنبين الذين دخلوا النار في العذاب .
والأخبار متظاهرة بأن من كان من العصاة المذنبين الموحدين من أمم النبيين هم الذين تنالهم شفاعة الشافعين من الملائكة والنبيين والشهداء والصالحين ؛ دليل ذلك في الرد على المعتزلة شيئان : الأول : الأخبار الكثيرة المتواترة في هذا المعنى ، الثاني : إجماع السلف على تلقي هذه الأخبار بالقبول من غير أن تلقى إنكارا في كل العصور ؛ فدل قبولها على صحة أهل السنة وفساد ما رآه المعتزلة « 3 » .
واستعرض في هذا السياق النصوص التي تمسّك بها المعتزلة والتي تردّ هذه الأخبار كقوله تعالى :
ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ
[ غافر : 18 ] قالوا : وأصحاب الكبائر ظالمون . وقوله عز وجل :
مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
[ النساء : 123 ] ، وقوله :
وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ
[ البقرة : 48 ] ، وأجاب عن هذا قوله : « قلنا ليست هذه الآيات عامة في كل ظالم ، والعموم لا صفة له ؛ فلا تعم هذه الآيات كل من يعمل سوءا وكل نفس ؛ وإنما المراد به الكافرون دون المؤمنين بدليل الأخبار الواردة في ذلك وأيضا فإن الله تعالى أثبت شفاعة لأقوام ونفاها عن أقوام فقال في صفة الكافرين :
فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ
[ المدثر : 48 ] . وقال :
وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى
[ الأنبياء : 28 ] وقوله :
وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ
[ سبأ : 23 ] وبهذا فالشفاعة إنما تنفع المؤمنين دون الكافرين .
ولا يرى الزمخشري غفران الذنوب إلا بالتوبة ؛ فهو يفسر قوله سبحانه وتعالى :
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً
[ الإسراء :
هامش
( 1 ) انظر تفسير الواحدي ، ج 1 ، ص 182 .
( 2 ) مفاتيح الغيب ، ج 7 ، ص 10 .
( 3 ) تفسير القرطبي ، ج 1 ، ص 378 - 379 .