تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
ولعل هذا يجعل من ينزع إلى تجريح إحدى الفرقتين ناقدا يعوزه إنعام النظر والموضوعية لأنه رغم اختلافهما يلتقيان في آخر المطاف عند نقطة الاعتقاد السديد بوحدانية الله وحكمته . غير أن هذا يقع على الوجه الذي اتضح لكل فرقة وشاع عندها وراج . ولا يحقّ أن يفهم من هذا أنه تكريس فوضى لكل متأوّل في القرآن متلاعب بالنصوص عابث بتعاليم الدين ، وإنما ينبغي التفريق بين متأوّل ومتأوّل ؛ هل تساعد عليه قوانين اللغة العربية ومقررات الإسلام المقطوع بها المعلومة من الدين بالضرورة وبراهين العقل والمنطق أو لا ؟ فنقبل السائغ وإن خالف ، ونرد غير السائغ ردا ، ونحاربه بلا هوادة لأن التاريخ الإسلامي كشف لنا أن أخطر أعدائه هم الذين حاولوا التلاعب بنصوصه والعبث بمقرراته . ويطلق هذا الشيء أيضا عند المعتزلة على المعدوم الذي يصح وجوده وعلى الموجود إلا أن المحال لا يطلق عليه ، وهو ما تجده في تفسير المصنف عند الآية :
وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ
[ البقرة : 113 ] : « أي على شيء يصح ويعتدّ به ، وهذه مبالغة عظيمة لأن المحال والمعدوم يقع عليهما اسم الشيء ، فإذا نفي إطلاق اسم الشيء عليه فقد بولغ في ترك الاعتداد به إلى ما ليس بعده وهذا كقولهم أقل من لا شيء » « 1 » . إلا أنه قاصر على الموجود لدى أهل السنة الذين يطلقونه على الموجود ، والثبوت ، والتحقق ، والوجود ، والكون . وهي كلها ألفاظ مترادفة عندهم « 2 » . بينما يراه المعتزلة ما له تحقق في الذهن أو خارجه ؛ علما بأن اللغويين يطلقونه على ما يعلم ويخبر عنه « 3 » .
هامش
( 1 ) الكشاف : ج 1 ، ص 305 . ( 2 ) انظر نوران الجزيري ، قراءة في علم الكلام - الغائية عند الأشاعرة ، ص 23 وما بعدها . ( 3 ) انظر تفسير الطبري ، دار الفكر بيروت ، 1405 ه ، ج 6 ، ص 9 ، ج 7 ، ص 303 ، ج 3 ، ص 100 ، والدارقطني ( علي بن عمر بن الحمد ، ت 385 ه ) ، رؤية الله ، ص 22 وما بعدها . وتفسير القرطبي ( ت 671 ه ) ، تحقيق عبد العليم البردوني ، دار الشعب القاهرة ، 1372 ه ، ج 1 ، ص ، 404 وتفسير النسفي ( أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود ، ت 710 ه ) ، ج 1 ، ص 44 ، 339 - 338 - 259 ، ج 2 ، ص 35 - ، 36 وتفسير ابن كثير ، ج 4 ، ص 487 . وزكريا محمد بن أحمد الأنصاري ( ت 926 ه ) ، الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة ، ج 1 ، ص ، 66 والغزي محمد بن محمد بن محمد ( ت 1061 ه ) ، إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن ، ج 2 ، ص ، 78 والشوكاني ( محمد بن علي بن محمد ، ت 1250 ه ) ، فتح القدير بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ، ص 87 .