ثم أضاف : « وقرأ عبد الله منكم جائر يعنى ومنكم جائر جار عن القصد بسوء اختياره والله بريء منه » « 1 » .
ويبني المعتزلة توحيدهم لله تعالى على أنه واحد تام الأحدية منزه عن الأجزاء المقدارية التي عليها الأجسام ، ويخلو من الأجزاء المعنوية المعقولة لذوات البشر المركبة من الماهية والتشخّص « 2 » ، فأدى بهم هذا إلى إثارة مسألة « صفات الله » هل هي عين ذاته عز وجل أو غير ذاته لارتباط هذا بمعنى التوحيد الذي اعتقدوه .
ورأوا ذات الله تعالى وصفاته شيئا واحدا . وهو ما ذهب إليه الزمخشري في قوله تعالى :
قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ آل عمران : 29 ] . فبين أن معنى قوله عز وجل :
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
قادر على عقوبتكم ، وبأنه بيان لقوله تعالى :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
[ آل عمران : 28 ] معللا ذلك بقوله : « لأن نفسه وهي ذاته المتميزة من سائر الذوات متصفة بعلم ذاتي لا تختص بمعلوم دون معلوم ، فهي متعلقة بالمعلومات كلها وبقدرة ذاتية لا تختص بمقدور دون مقدور ، فهي قادرة على المقدورات كلها فكان حقها أن تحذر وتتّقى » إلى أن قال : « فما بال من علم أن العالم الذات الذي يعلم السر وأخفى مهيمن عليه وهو آمن » « 3 » . وتساءل في قوله تعالى :
فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً
[ فصلت : 15 ] كيف يصح وصف الله تعالى بالقوة وهو الموصوف بالقدرة ؟
وأجاب بأن قدرة الإنسان هي صحة بنيته واعتدال ، وبأن القوة والشدة والصلابة في البنية وحقيقتها زيادة في القدرة ، ثم ذكر رأيه المذهبي : « كما صح أن يقال الله أقدر منهم جاز أن يقال : أقوى منهم على معنى أنه يقدر لذاته على ما لا
هامش
( 1 ) الكشاف ، ج 2 ص 403 .
( 2 ) انظر أحمد أمين ، ضحى الإسلام ، ج 3 ، ص ، 28 وكامل محمد محمد عويضة ، الزمخشري المفسر البليغ ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط 1 ، 1994 م ، ص 178 .
ذكر أحمد أمين أن المعتزلة أول من أثار موضوع " صفات الله " ولم يعهد ذكر كلمة " صفات الله " في القرآن الكريم أو الحديث الصحيح ، إنما جاء ذكر قوله عز وجل :سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ[ الصافات : 180 ] ، ونحوه . . . لكن المعتزلة هم الذين أعطوا هذه المسألة هذه الدرجة من الجدل الواسع في علم الكلام . انظر ضحى الإسلام ، ج 3 ص 28 - 29 .
( 3 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 423 .