نبصرها ولا نكتبها ولا نقرأها ولا نسمعها وإلا فما عسى أن يكون الذي نراه مكتوبا في مصاحف القرآن ونسمعه مقروءا إذا لم يكن هو كلام الله ؟
آمنوا أن الذي في الكتاب العزيز هو كلام الله نزل بصورته المسموعة على طريق جبريل وثبت بهذه الصورة أيضا في اللوح المحفوظ ، ويسمعه المؤمنون في الجنة من الله تعالى بهذه الصورة دون وساطة ولا حجاب . فالقرآن كلام الله ووحيه وتنزيله مسموع من الله وإلا كيف نفهم قوله تعالى :
حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
[ التوبة : 6 ] وسمعه بلا شك من القارئ ، وقوله :
يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ
[ الفتح : 15 ] ثم إن الله تعالى قال :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
[ الحجر : 9 ] .
وقال عز وجل :
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 192 ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
[ الشعراء : 192 - 194 ] .
والقرآن المحفوظ في صدور ذاكريه ، رووا أن ابن مسعود قال : « قال رسول الله : « استذكروا القرآن فهو أشد تفصيّا « 1 » من صدور الرجال ( من النّعم ) من عقله » « 2 » .
وكلام الله مكتوب في المصاحف مشاهد بالأعين ، قال تعالى :
وَكِتابٍ مَسْطُورٍ ( 2 ) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ
[ الطور : 2 ، 3 ] .
ولا تنفك بعض الألفاظ التي يوظفها الزمخشري في تفسيره من الإشارة إلى أن كلام الله حادث مخلوق يدل عليه قوله : « هذا المتلو عليهم ، وقد عجزوا عنه من آخرهم » « 3 » وسيظهر لنا ذلك بعد التنبيه إلى النزاع في عهد المأمون والمعتصم والواثق ، كان محصورا في خلق القرآن بين فرقة تقف عند القول : القرآن كلام الله كما قاله تعالى في كتابه ، يقفون عند النص ، ولا يتأوّلونه . وفرقة ترى العقل البشري ذا سلطة ومجال واسع يمكنه من البرهنة حتى على ما يتعلق بالله تعالى ، فلم يكن للعقل بحسب هذه الفرقة حدود غير براهينه ولا خطأ له طالما كان
هامش
( 1 ) أشد تفصيا : أشد خروجا . انظر محمد صديق حسن خان القنوجي ، قطف الثمر في بيان عقيد أهل الأثر ، تحقيق د . عاصم بن عبد الله الفريوني ، دار الإمام مالك ، الجزائر ، ط 2 ، 1414 ه ، ص 69 .
( 2 ) انظر م ن ، ص 70 ، هامش 147 - 146 .
( 3 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 96 .