يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً
[ الأنعام : 125 ] : « أي يخذله ويخلّيه وشأنه وهو الذي لا لطف له » « 1 » . وفي قوله عز وجل :
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
[ الأعراف : 178 ] « هم مطبوع على قلوبهم الذين علم الله أنه لا لطف لهم . . . » « 2 » ، ولا يخفى ما في هذا التأويل من صرف اللفظ إلى معان يسيّجها الفكر الاعتزالي .
وفسّر ( أردنا ) من قوله تعالى :
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
[ الإسراء : 16 ] بمعنى ( دنا ) وهو يريد دنو « وقت إهلاك قوم لم يبق من زمان إمهالهم إلا قليل أمرناهم ( ففسقوا ) أي أمرناهم بالفسق ففعلوا " ثم حمل لفظ الأمر على المجاز وذلك لامتناع أن يأمر الله عز وجل بالفساد قائلا : « والأمر مجاز لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا وهذا لا يكون ، فبقي أن يكون مجازا ، ووجه المجاز أنه صب عليهم النعمة صبّا فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات ؛ فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب إيلاء النعمة فيه » « 3 » ، وإن كان قد اتفق مع أهل السنة في هذا القول بدليل استحسان ابن المنير لذلك « 4 » فإنه خالفهم حين قال : « وإنما خوّلهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير ويتمكنوا من الإحسان والبر كما خلقهم أصحّاء أقوياء وأقدرهم على الخير والشر » « 5 » لما فيه من تضمين القول بوجوب إرادة الله سبحانه للطاعة التي خوّلوها لكنهم فسقوا وخرجوا على أمر الله . لكن الأمر ليس هو الإرادة عند أهل السنة لقوله تعالى :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً
[ الشورى : 8 ] عدوّها دليلا ظاهرا على أن الأمر غير الإرادة « 6 » محتجين بأن الله
هامش
( 1 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 49 .
( 2 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 131 .
( 3 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 442 .
( 4 ) انظر م ن ، ج 2 ، هامش الكشاف ، ص 442 .
( 5 ) م ن ، ج 2 ، ص ، 442 وكذا ج 3 ، ص 461 .
( 6 ) انظر تفسير القرطبي ، ج 4 ، ص ، 219 وتفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص ، 299 وكذا الزركشي ، البرهان في علوم القرآن ، ج 2 ، ص ، 89 والإرادة كونية وشرعية . الأولى : ما شاء فيها الله كان وما لم يشأ لم يكن .
والثانية دينية شرعية كمحبة المراد ورضاه وأهله ومجازا لهم بالحسنى لا يتعلق المراد فيها إلا بالنوع -