وقد قال حسن خان القنوجي : « هذه رحمة المخلوق ورحمة الرب تليق بجلاله لا يعلم كيف هي إلا هو » « 1 » . وإن ما يلزمهم في الإرادة نظير ما تجنّبوه في الرحمة . ورأى غيره من السنيين بأنها صفة تظهر في القلب وهي هنا إرادة الحنين بالعباد ، وقيل : الإنعام على المحتاج « 2 » .
فهل كان المعتزلة والزمخشري معهم قد نفوا هذه الصفة « 3 » من جهة أنهم لم يفهموا من صفات الله تعالى إلا ما يليق بالمخلوق ، فعمدوا إلى نفي ذلك ومقابلته بالتأويل ؟
ويتأول الزمخشري في هذا كل ما يفيد تجسيم الله أو تشبيه بالخلق وهي من قواعد الاعتزال ، فقد لجأ في قوله تعالى :
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
[ الفاتحة : 7 ] إلى تأويل « الغضب » لأنه يحمل معنى التجسيم والتشبيه لدلالته على الأعراض النفسية ، ولأن أخذها على معناها الظاهر بحسب قواعد الاعتزال يشبه الله تعالى بخلقه ؛ فما كان منه إلا صرف الكلمة عن ظاهر معناها إلى معنى مجازي يمنع وصف الله سبحانه بحقيقة الغضب ليدل على أن معناها هو إرادة الانتقام ؛ لذا قال في تفسيره للآية السابقة : « ما معنى غضب الله ؟ قلت : هو إرادة الانتقام من العصاة وإنزال العقوبة بهم ، وأن يفعل بهم ما يفعل الملك إذا غضب
هامش
( 1 ) قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر ، ص 18 .
( 2 ) شهاب الدين أحمد بن محمد الهائم ، التبيان في تفسير غريب القرآن ، ص 50 .
( 3 ) وردت الرحمة على أوجه : على وجه الإسلاميَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ[ البقرة : 105 ] . والإيمانوَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ[ هود : 28 ] . والجنة :فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ[ آل عمران : 107 ] .
والمطر :بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ[ الأعراف : 57 ] . والنعمة :فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ[ البقرة :
64 ] . والنبوة :أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ[ ص : 9 ] .أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ[ الزخرف :
32 ] . والقرآن :قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ[ يونس : 58 ] . والرزق :خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ[ ص : 9 ] .
والنصر والفتح :إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً[ الأحزاب : 17 ] . والعافية :أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ[ الزمر : 38 ] . والمودة :رَأْفَةً وَرَحْمَةً[ الحديد : 27 ] . ورُحَماءُ بَيْنَهُمْ[ الفتح : 29 ] . والسعة :تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ[ البقرة : 178 ] . والمغفرة :كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ[ الأنعام : 12 ] .
والعصمة :لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ[ هود : 43 ] .
انظر ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن ، ص 145 - ، 146 وكذا الغزي بن محمد بن محمد ؛ إتقان ما يحسن من الأخبار ، ج 1 ، ص 413 .