حدوثها فيحصل له العلم بأنّ لها محدثا قياسا على تصرفاتنا في الشاهد ، وهذا أول علم يحصل بالله تعالى على طريقة أبي الهذيل وهو الصحيح » « 1 » .
ويستعين بالسماع على إثبات بعض أصول الاعتزال ؛ لذلك قال في كلام الله عز وجل :
قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
[ الأعراف : 16 ] ليقر نفي نسبة الإغواء الذي هو الضلال إلى الله تعالى :
قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي
: « فبسبب إغوائك إياي لأقعدنّ لهم وهو تكليفه إياه ما وقع به في الغي ، ولم يثبت كما ثبتت الملائكة مع كونهم أفضل منه ومن آدم أنفسا ومناصب » « 2 » ثم لجأ إلى قول الأصم ليعزّز ما أراده قائلا : وعن الأصم : أمرتني بالسجود فحملني الأنف على معصيتك « 3 » ولم يكتف به وإنما أوّله : « والمعنى فبسبب وقوعي في الغي لاجتهدنّ في إغوائهم حتى يفسدوا بسببي كما فسدت بسببهم » « 3 » .
ولما كان المعتزلة يعتقدون أن الكفر والإيمان ليس بمشيئة الله سبحانه تمسكوا بقوله تعالى :
وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا
[ الأعراف : 89 ] على أنه سبحانه لا يشاء إلا الخير والصلاح . قال الزمخشري : « فإن قلت : ما معنى قوله :
وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
، والله تعالى متعال أن يشاء ردة المؤمنين وعودهم في الكفر ؟ قلت : معناه إلا أن يشاء خذلاننا ومنعنا الألطاف لعلمه أنها لا تنفع فينا ، وتكون عبثا والعبث قبيح لا يفعله الحكيم ، والدليل عليه قوله :
وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً
[ الأعراف : 89 ] أي هو عالم بكل شيء مما كان وما يكون فهو يعلم أحوال عباده كيف تتحوّل ، وقلوبهم كيف تنقلب ، وكيف تقسو بعد الرقة وتمرض بعد الصحة وترجع إلى الكفر بعد الإيمان .
ويجوز أن يكون قوله :
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
الآية حسما لطمعهم في العود لأن مشيئة الله تعالى بعودهم في الكفر محال خارج عن الحكمة « 5 » . وفي هذين
هامش
( 1 ) شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص 21 .
( 2 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 69 .
( 3 ) م ن ، ج 2 ، ص 69 .
( 5 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 96 .