وقد علق ابن المنير على ما رواه الزمخشري عن الملائكة بأنها حكاية يوردها من يتعسف في منع الرؤية ، ويتخذها سندا على معتقده مخطئا ناقل هذه الحكاية منزها الملائكة - عليهم السلام - من أن يهينوا موسى - عليه السلام - بالوكز بالرجل والغمص في الخطاب مضيفا أنه عليه السلام لمّا تبين له أن مطلوبه كان خلاف المعلوم الذي قد سبق بعدم وقوع الرؤية في الدنيا - والله تعالى مقدس عن وقوع خلاف معلومه وعن الخلف في خبره الحق وقوله الصدق - سبّح الله عز وجل وقدّس علمه وخبره عن الخلف . أما التوبة في حق الأنبياء فلا تستلزم كونها عن ذنب لأن مكانتهم الجليلة تقتضي أن تنزّه وتبرّأ ممّا ينحط بها « 1 » . وهم بشر مثلنا غير منزهين من الخطأ « 2 » .
ومما استعان به الزمخشري في نفي الرؤية من نص القرآن الكريم قوله تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً
[ الفرقان : 21 ] قال في تفسيره : « اقترحوا من الآيات أن ينزل الله عليهم الملائكة ، فتخبرهم بأن محمدا صادق حتى يصدقوه أو يروا الله جهرة ، فيأمرهم بتصديقه واتباعه . ولا يخلو إما أن يكونوا عالمين بأن الله لا يرسل
هامش
-حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ[ البقرة : 55 ] . والثانية :فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً[ النساء : 153 ] . والثالثة :لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ[ الأنعام :
103 ] . الرابعة :قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِيإلى قوله :تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ[ الأعراف : 143 ] . الخامسة :وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً[ الفرقان : 21 ] .
أما حجج القائلين بجواز النظر ووقوع الرؤية فتمسكوا بأربع آيات : الأولى :وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي[ الأعراف :
143 ] . معتبرين سؤاله عليه السلام دليل الجواز . الثانية :لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ[ يونس :
26 ] . قالوا : الزيادة النظر إلى وجه الله . الثالثة :وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ[ القيامة :
22 ، 23 ] . الرابعة :كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ[ المطففين : 15 ] . مستدلين بأنه لما كان الكفار محجوبين عن رؤية الله تعالى دلّ على أن المؤمنين غير محجوبين .
انظر الرازي ( أبو الفضل أحمد بن محمد ) كتاب حجج القرآن ، تحقيق أحمد عمر المحمصاني ، دار الرائد العربي ، بيروت ، 1982 ، ط 2 ، ص 68 - 69 .
( 1 ) انظر الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 2 ، ص 115 .
( 2 ) انظر الرازي ، حجج القرآن لجميع الملل والأديان ، ص 60 - 61 .