وهذا التأويل الذي ذهب إليه الزمخشري يعزز خلفية اعتزالية هي أن العبد مختار ، وأن الله تعالى لا يريد منه إلا الخير . وأضاف أبو حيان أن قوله تعالى :
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
[ البقرة : 21 ] متعلق بقوله :
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
[ البقرة : 21 ] ، وأن الذي نودوا لأجله إنما هو الأمر بالعبادة لذا ناسب أن يتعلق بها ذلك وأتى بالموصول وصلته
الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
[ البقرة : 21 ] على سبيل التوضيح أو المدح للذي تعلّقت به العبارة فلم يجأ بالموصول ليحدث عنه بل جاء في ضمن المقصود بالعبادة . وأما صلته فلم يؤت بها لإسناد مقصود لذاته ، وإنما جيء بها لتتميم ما قبلها « 1 » . والذي تقرر في النحو أنه إن كان متعلق لعل محبوبا كانت للترجي ، وإن كان محذورا كانت للتوقع نحو قولك : لعلّ العدوّ يقدم .
والشكر والهداية من المحبوبات ، فيلزم أن لا يعبر عن معنى لعل في قوله تعالى :
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[ البقرة : 52 ] و
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
[ البقرة : 53 ] إلا بالترجي من العبد لا من الخالق سبحانه « 2 » .
وقد ذكر ابن هشام الأنصاري ( ت 761 ه ) أن جماعة منهم الأخفش والكسائي قد أثبتت المعنى التعليلي للحرف لعل ، وحملوا عليه قوله تعالى :
فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى
[ طه : 44 ] ، ومن لم يثبت ذلك حمله على الرجاء وصرفه للمخاطبين أي اذهبا على رجائكما « 3 » وهو كما ذكرنا من قبل ترجّ للمحبوب وإشفاق من المكروه نحو : « لعل الحبيب قادم وهي تختص بالممكن ، وقول فرعون :
لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ ( 36 ) أَسْبابَ السَّماواتِ
[ غافر :
36 ، 37 ] : قاله جهلا أو مخرقة وإفكا » « 4 » ، ولها الدلالة على معنى الاستفهام الذي أثبته الكوفيون ؛ لذا علق به الفعل في قوله عز وجل :
لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً
[ الطلاق : 1 ] ، وقوله :
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى
[ عبس :
3 ] وقد أشربها الزمخشري « 5 » معنى ( ليت ) من قرأ :
فَاطَّلَعَ
[ الصافات : 55 ] .
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط في التفسير ، ج 1 ، ص ، 156 وتفسير الثعالبي ، ج 1 ، ص 38 .
( 2 ) م ن ، ج 1 ، ص 327 .
( 3 ) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ، ج 1 ، ص ، 471 وشهاب الدين أحمد بن محمد الهائم المصري ( ت 815 ه ) ، التبيان في تفسير غريب القرآن ، ج 1 ، ص ، 65 والرازي ، مختار الصحاح ( علل ) .
( 4 ) م ن ، ج 1 ، ص 471 .
( 5 ) انظر الكشاف ، ج 1 ، ص 230 ، ج 3 ، ص ، 341 وكذا ابن هشام ، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ، -