براعته في اللغة واستعمل أساليبها ونبوغه في الأدب وهي إحدى خاصيات التفسير الاعتزالي التي اعتمدها سابقوه كالقاضي عبد الجبار الذي استعان باللغة مثلا في تأويل قوله تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ طه : 5 ] قال في نفي التجسيم أن الاستواء هنا بمعنى الاستيلاء والغلبة وهو مشهور في اللغة . قال الشاعر ( طويل ) :
فلمّا علونا واستوينا عليهم * تركناهم صرعى لنسر وكاسر .
ثم أضاف : « فإن قالوا : إنه تعالى مستول على العالم جملة فما وجه تخصص العرش ؟ قلنا : لأنه أعظم ما خلق الله تعالى ، فلهذا اختصه بالذكر » « 1 » . وقد استعان أبو علي الجبائي قبلهما باللغة في صرف معنى « جعل » إلى معنى « بيّن » وبأنها ليست بمعنى « خلق » ليجعل قوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ
[ الفرقان : 31 ] أن الله تعالى بين لكل نبي عدوه ليحذره منه وللاستدلال على معنى ( جعل ) أنه ( بيّن ) استشهد بقول الشاعر « 2 » :
جعلنا لهم نهج الطريق فأصبحوا * على ثبت من أمرهم حين يمّموا
وكالفراء الذي لما رأى كلمة ( ميراث ) توحي بالحصول على شيء من قوله تعالى :
وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الحديد : 10 ] لجأ إلى الشرح اللغوي ليظهر المعنى : « يميت الله أهل السماوات وأهل الأرض ويبقى وحده فذلك ميراثه تبارك وتعالى أنه يبقى ويفنى كل شيء » « 3 » .
وهذه الطريقة أفاد منها الزمخشري واعتمدها في تفسيره ووظف فيها تبحّره اللغوي والنحوي والبلاغي إلى جانب نظره العقلي وسنبين هذا في مقامه .
هامش
- المجالس من تأويل الآيات إلى أنها تعدّ صورة لتفسير القرآن الكريم عند علماء المعتزلة مما لم يصل إلينا من كتبهم إلّا القليل النادر " أمالي المرتضى " غرر الفوائد ودرر القلائد " ، ج 1 ، ص 18 - 19 ( مقدمة المحقق ) .
( 1 ) انظر شرح الأصول الخمسة ج 1 ، ص 157 - 158 - 159 - 172 - 173 - 174 - 193 - 194 .
( 2 ) انظر الفخر الرازي ، التفسير الكبير ، ج 6 ، ص 471 .
( 3 ) معاني القرآن ، تحقيق أحمد يوسف النجاتي ، محمد علي النجار ، دار الكتب المصرية ، 1955 ، ج 1 ، ص 249 .