والقرآن الكريم بسوره وآياته ليس هو الكلام النفسي القديم بل حكاية وتعبير عنه ، وعلى هذا فإن الكلام النفسي قديم أما القرآن الكريم كلام الله الذي نتلوه بألسنتنا على الحقيقة ، المكتوب في مصاحفنا ، المحفوظ في صدورنا ، المسموع بأسماعنا عبارات وألفاظ منزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء - عليهم السلام - دلالات على الكلام الأزلي ، وهذه الدلالات محدثة مخلوقة لكن المدلول قديم أزلي ، لهذا يفرقون بين الذكر والمذكور لأن الذكر محدث والمذكور قديم . وقد قال الباقلاني في قوله عز وجل :
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ
[ الأنبياء : 2 ] معناه : ما يأتيهم من وعظ النبي صلى اللّه عليه وسلم ووعيده وتحذيره ذكر . قال الله عز وجل :
فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ
[ الغاشية : 21 ] ويقال : فلان في مجلس الذكر « 1 » وهذا مردود عند المعتزلة لأن الذكر عندهم القرآن بدليل قوله تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
[ الحجر : 9 ] وصفه الله تعالى بأنه محدث وبأنه منزل ولا يكون المنزل إلا محدثا وثمة دلالة من وجه آخر لقوله :
وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
لو كان قديما لما احتاج إلى حافظ يحفظه « 2 » .
رأى المعتزلة أن الكلام لما اختص بالمحل ، وهذا يمنع أن يكون قديما لأن المحال محدثة ، فهو لهذا أحرى بالحدوث . غير أن الأشاعرة يرونه صفة أزلية قائمة بذات الله واستدلوا على أن حدوث الكلام لا يخلوا من أن يقوم بذات الله تعالى أو بغيره أو لا يقوم بمحل ، فإذا قام الكلام بذات الله تعالى كان محلا للحوادث وهذا ممتنع ، ويمتنع أن يحدثه في غيره لاستحالة أن يحدث كلاما في غيره فيكون به
هامش
- قارب ابن العربي في تعريفه الكلام الأشاعرة لأنه عرف الكلام قائلا : « هو ما يجري في النفس والحروف والأصوات عبارة عنه » . فليس كلام الله حروفا وأصواتا ولا كيفية له ولا مشابهة فيه لكلام المخلوقين ، وهذا معناه ليس لفظا ، وإنما اللفظ مخلوق عبر به عن المعنى القديم ، بينما كلام الله تعالى غير مخلوق من ناحية المعنى ، وهو الصفة القديمة . انظر عمار طالبي ، آراء أبي بكر بن العربي الكلامية ، ج 1 ، ص 257 - 258 .
( 1 ) انظر كتاب التمهيد ، الباب العشرون ، المسألتان 404 - ، 419 وانظر الشهرستاني الملل والنحل ، ج 1 ، ص ، 108 وعمار طالبي ، آراء أبي بكر بن العربي الكلامية ، ج 1 ، ص 257 .
( 2 ) انظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 198 - 199 .