إن الله تعالى عند أبي هاشم الجبائي عالم لذاته أي ذو حالة هي صفة معلومة وراء كونه ذاتا موجودا إذ تعلم الصفة على الذات لا بانفرادها « 1 » ، فأثبت بهذا أحوالا هي صفات غير موجودة ولا معدومة ولا معلومة ولا مجهولة لا تعرف على حيالها كذلك بل مع الذات « 2 » .
ويعد أبو هاشم أول من قال بفكرة الحال « 3 » التي نفاها أبوه أبو علي الجبائي إذ المراد في القول عنده : الله عالم لذاته قادر حي لذاته هو أنه لا يقتضي كونه عالما صفة هي علم أو حال توجب كونه عالما « 4 » ، واشترط أبو هاشم ومن تبعه من المعتزلة الحياة . فإيجاب الأحوال المعللة ليس إلّا للصفات التي من شرطها الحياة مثل القدرة والعلم ونحوه . أما ما لا تشترط فيه الحياة من الصفات فلا ، وذلك كالسواد والبياض ونحوه . ويعود الاختلاف في اشتراط الحياة وعدمه بالنظر إلى الحقيقة والثبوت فمن وقّف تعلق العلم لها على الذوات نظر إلى جهة الثبوت ، والآخر إلى جهة الحقيقة إذ هي غير إضافية ، وكلا الفريقين بهذا مصيب . ولكن إذا كان توارد النفي والإثبات على جهة واحدة من الجهتين المذكورتين فإن المثبت لهذا الاشتراط يكون مصيبا بالنظر إلى الثبوت مخطئا بالنظر إلى الحقيقة والطرف الآخر بعكسه « 5 » .
هامش
( 1 ) لم يمنع بعض أهل السنة من تعلق العلم بها على انفرادها ، انظر الآمدي ، غاية المرام في علم الكلام ، ص 30 .
( 2 ) انظر البغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص 195 .
( 3 ) هو الواسطة بين الموجود والمعدوم ، وهي عبارة عن صفة إثباتية لموجود غير متصفة بالوجود ولا بالعدم وإن ما تخيل كونه صفة زائدة على المرسوم ليس أمرا سلبيا ومعنى عدميا ، وهو سلب الوجود والعدم . انظر الإمام أبو المعالي كتاب الإرشاد ، ص ، 37 والآمدي علي بن أبي علي بن محمد بن سالم ( ت 631 ه ) ، غاية المراد في علم الكلام ، ص ، 28 وكذا د . علي سامي النشار ، مناهج البحث عند مفكري الإسلام ، ص 145 - ، 146 وقد ذهب الناظرون في هذا المبحث إلى أن المعلوم إن لم يكن له ثبوت أصلا في الخارج فهو معدوم ، وإن كان له ثبوت في الخارج فهو إما باستقلاله كالأسود والسواد وهو الموجود ، وإما باعتبار التبعية لغيره وهو الحال كالقادرية والعالمية ، وعلى هذا فهو عبارة عن صفة للموجود لا تكون موجودة ولا معدومة . وقولهم : لا موجودة احتراز عن الصفات الوجودية ومعدومة احتراز عن الصفات السلبية . والحال أقسام : ما يعلل وما لا يعلل . ما علل أحكام لمعان قائمة بذوات مثل كون العالم عالما والقادر قادرا . وما لا يعلل فهو صفات ليست أحكاما للمعاني كالوجود واللونية وكتحيز الجوهر .
( 4 ) انظر الشهرستاني ، الملل والنحل ، ج 1 ، ص 92
( 5 ) انظر الآمدي ، غاية المرام في علم الكلام ، ص 30 .