ما حصل بعد نزول الوحي الأول
وبعد ذلك كله ذهب أمين الوحي وصعد إلى السماء تاركا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في حيرة من أمره . . وبقي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم برهة من الزمن مضطربا مما شاهد ومندهشا مما سمع . . ثم عاد مسرعا إلى بيته وإلى زوجته الحنون السيدة خديجة رضي اللّه عنها . . وتمدد على الأرض قائلا بصوت متهدج : زملوني زملوني فزملته زوجته الحنون وجلست بقربه حتى هدأ روعه .
فقالت له : ما بك يا ابن عم ؟ فأخبرها الخبر وقال لها : لقد خشيت على نفسي مما جرى . فقالت له : كلا يا ابن عم أبشر وأثبت فو اللّه لا يخزيك اللّه أبدا . . إنك لتصل الرحم وتحمل الكلّ « 1 » وتقري « 2 » الضيف وتصدق الحديث وتعين على نوائب الحق « 3 » .
وبعد ذلك انطلقت الزوج الوفية إلى ابن عم لها هو ورقة بن نوفل . . وكان قد تنصر أي اعتنق الديانة النصرانية . . وابتعد عن عبادة الأصنام والأوثان واتجه إلى هذه الديانة السماوية . . وعرف الإنجيل ونقل بعضه إلى العربية . . كما كان شيخا كبيرا فقد بصره وأثقلته هموم السنين . . فأخبرته السيدة خديجة بما كان من أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فأطرق مليا ثم قال : قدوس قدوس « 4 » والذي نفس ورقة بيده . . إن كنت صدقتني يا خديجة فقد جاءه الناموس الأكبر « 5 » . الذي كان يأتي موسى وإنه لنبي هذه الأمة فقولي له فليثبت .
هامش
( 1 ) الكلّ : اليتيم - العيال .
( 2 ) تقري الضيف : تقدم له الطعام .
( 3 ) نوائب الحق : مصائب الدهر .
( 4 ) القدوس : اسم اللّه الطاهر المنزه عن كل نقص وعيب المبارك .
( 5 ) الناموس الأكبر : جبريل أمين الوحي .