قال هو نفسه في علة هذه التسمية : وقد سميت هذا الكتاب الفلك الدائر على المثل السائر لأنه شاع من كلامهم وكثر في استعمالهم أن يقولوا لما باد ودثر : قد دار عليه الفلك ، كأنهم يريدون أنه قد طحنه ومحا صورته ، من ذلك قول أبى العتاهية :
إن كنت تنشدهم فإنّهم * همدوا ودار عليهم الفلك « 179 »
وقد كان عليه أن يتتبع هذه النقول ، وأن يذيعها في الناس ، وهذا لا شك له أثره الكبير في مهمته التي قصد إليها بتأليف كتابه .
والمهم في هذا كله - كما قلت - هو أن ابن أبي الحديد ناقش ابن الأثير في تحليلات وأقوال بلاغية منقولة من الكشاف ولم يتنبه ابن أبي الحديد إلى هذا وكأنه لم يقرأ كتاب الكشاف ، من ذلك مناقشته لكلام ابن الأثير في التقديم في النفي حيث ذكر ابن الأثير قوله تعالى :
« ألم . ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ »
« 180 » وقوله تعالى :
« لا فِيها غَوْلٌ »
« 181 » وواضح كما بينا أن كلام ابن الأثير في هذا الموضع مأخوذ من الكشاف ، قال ابن أبي الحديد بعد ما نقل كلام ابن الأثير : « أقول إن هذا الذي ذكره شئ لا يعرفه أهل العربية ، ولا أهل الفقه ، ولا فرق عندهم في النفي المطلق بين قولهم :
« لا رَيْبَ فِيهِ »
، و « لا فيه ريب » ، الا من جهة أخرى وهي أنه يقبح الاختصار على قوله : لا فيه ريب ، في القواعد النحوية حتى يضم اليه شئ آخر فيقول : ولا شك مثلا نحو ذلك » « 182 » .
وإذا كان ابن الأثير قد نقل هذا من الكشاف ، والزمخشري رأس في علوم العربية فكيف يكون هذا أمرا لا يعرفه أهل العربية ؟ وقد أخذ برأي الزمخشري في هذه الآية أئمة مشهود لهم بالسبق في علوم العربية ، ومنهم من عاصر ابن أبي الحديد ومات قبله بنحو ثلاثين سنة كأبى يعقوب السكاكى المتوفى سنة 626 ه .
هامش
( 179 ) مقدمة الفلك الدائر ملحق بالمثل السائر ج 4 ص 35
( 180 ) البقرة : 1 ، 2
( 181 ) الصافات : 47
( 182 ) الفلك الدائر ملحق بالمثل السائر ج 4 ص 260 .