تبلغ بالمجاز الذروة العليا ، وأن الكلام الذي يتأتى فيه هذا الفن تأتيا طيعا يتلاحق ، لم تر كلاما أحسن منه ديباجة وأكثر ماء ورونقا .
فإذا كانت الاستعارة مظهرا من مظاهر الاعجاز البياني أو سرا من أسرار البلاغة ، فهل يمكن القول بأن الترشيح وهو ماؤها ورونقها ليس مظهرا من مظاهر الاعجاز ، وليس سرا من أسرار البلاغة ، وانما هو ذيل للبلاغة في مفهوم الزمخشري ؟
أما الألوان التي ذكرها الزمخشري مما جعله المتأخرون من علم البديع والتي نرى حديثه فيها أصدق دليل على ما أقوله في فهم مذهبه في البديع فهي :
1 - المشاكلة :
ويسميها المقابلة أحيانا ، وهو يعنى بالمقابلة معناها اللغوي .
يقول في قوله تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا »
« 12 » :
« ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة ، فقالوا : أما يستحى رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت ؟ مجاز على سبيل المقابلة واطباق الجواب على السؤال ، وهو فن من كلامهم بديع وطراز عجيب منه قول أبى تمام :
من مبلغ أفناء يعرب كلّها * أنّى بنيت الجار قبل المنزل
وشهد رجل عند شريح فقال : انك لسبط الشهادة ، فقال : انها لم تجعد عنى ، فقال : للّه بلادك ، وقبل شهادته ، فالذي سوغ بناء الجار وتجعيد الشهادة هو مراعاة المشاكلة ، ولولا بناء الدار لم يصح بناء الجار .
ولولا سبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها ، وللّه در أمر التنزيل واحاطته بفنون البلاغة وشعبها ، لا تكاد تستغرب منها فنا الا عثرت عليه فيه على أقوم مناهجه وأسد مدارجه » « 13 » .
هامش
( 12 ) البقرة : 26
( 13 ) الكشاف ج 1 ص 85