الزمخشري وراء العبارة نفسا ثانية ، فيها صلف وكبرياء ، يقول في قوله تعالى :
« وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى »
« 524 » :
« وفيه نفاجة باقتداره ، وقهره ، وما ألفه ، وضري به من تعذيب الناس بأنواع العذاب ، وتوضيع لموسى واستضعاف له من الهزء به ، لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شئ » « 525 »
وقد يجد الزمخشري في ظاهر معنى الجملة شيئا من الغموض والتناقض فيحلله تحليلا أدبيا مبينا وجه استقامته على طريقة الأدب ، يقول في قوله تعالى :
« وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها »
« 526 » : « فان قلت : هو كلام متناقض لأن معناه : ما من آية الا هي أكبر من كل واحدة منها ، فتكون واحدة منها فاضلة ومفضولة في حالة واحدة ؟ قلت : الغرض بهذا الكلام أنهن موصوفات بالكبر لا يكدن يتفاوتن فيه ، وكذلك العادة في الأشياء التي تتلاقى في الفضل وتتفاوت منازلها فيه التفاوت اليسير ، أن تختلف آراء الناس في تفضيلها فيفضل بعضهم هذا وبعضهم ذاك ، فعلى ذلك بنى الناس كلامهم فقالوا : رأيت رجالا بعضهم أفضل من بعض ، وربما اختلفت آراء الرجل الواحد فيها فتارة يفضل هذا وتارة يفضل ذاك ومنه بيت الحماسة :
من تلق منهم فقل لاقيت سيّدهم * مثل النجوم التي يسرى بها السّارى
وقد فاضلت الانمارية بين الكملة من بنيها ، ثم قالت لما أبصرت مراتبهم متدانية قليلة التفاوت : ثكلتهم ان كنت أعلم أيّهم أفضل ، هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها » « 527 »
وقد ينظر الزمخشري إلى ما في الجملة من حكمة ومعنى جامع ويكون هذا المدلول أساس اعجابه بها ، يقول في قوله تعالى :
« إِنَّ خَيْرَ
هامش
( 524 ) طه : 71
( 525 ) الكشاف ج 3 ص 60
( 526 ) الزخرف : 48
( 527 ) الكشاف ج 1 ص 201 - 202