بالثالث ، ولعل الزمخشري يقصد بكونه ابتداء اخبار أنهم بدءوهم بالحديث بأنهم مرسلون إليهم ولم تكن بينهم محاورة بخلاف مقام الخطاب الثاني فإنه كان مقام تحاور ومحاجة وانكار ، وهذا لا ينافي أن يكونوا مع الأول منكرين .
ومن دواعي التوكيد إماطة الشبهة لغرابة الخبر وحاجته إلى التقرير والتحقيق يقول في قوله تعالى :
« فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى . إِنِّي أَنَا رَبُّكَ »
« 463 » : « تكرير الضمير في
« إِنِّي أَنَا رَبُّكَ »
لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة » « 464 »
وقد يكون التوكيد مظهرا لتعلق النفس بالخبر واهتمامها به ، وأنه جدير عندها بالتقوية والتقرير ، وأن المخاطب متقبل له ، غير منكر ، ولا مدافع ، كما أن ارسال الكلام غفلا من التأكيد لأن النفس غير متعلقة به ، ولا صادقة الرغبة فيه ، وأن المخاطب ينكره انكارا لا ينفع معه أبلغ صور التوكيد . يقول في قوله تعالى :
« وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ »
« 465 » :
« فان قلت : لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية وشياطينهم بالاسمية محققة ب « ان » ؟ قلت : ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديرا بأقوى الكلامين ، وأوكدهما ، لأنهم في ادعاء حدوث الايمان منهم ونشئه من قبلهم لا في ادعاء أنهم أوحديون في الايمان غير مشقوق فيه غبارهم ، وذلك اما لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه ، إذ ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرك ، وهكذا كل قول لم يصدر عن أريحية وصدق رغبة واعتقاد ، واما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد والمبالغة ، وكيف يقولون ويطمعون في رواجه وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار الذين مثلهم في التوراة والإنجيل ، ألا ترى حكاية اللّه قول المؤمنين :
« رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا »
« 466 » ، وأما مخاطبة اخوانهم فهم فيما
هامش
( 463 ) طه : 11 ، 12
( 464 ) الكشاف ج 3 ص 42 .
( 465 ) البقرة : 14
( 466 ) آل عمران : 16