نرفض مثل هذا التعليل . وليس هذا الرفض مبنيا على حماس ديني وانما هو النظر والتذوق ، أما قوله فيما ساقه شاهدا على الاتساع :
« ألا ترى إلى قوله « بأنفسهن » وما هي الا نفوس كثيرة » فقد أغفل الزمخشري فيه أيضا النكتة البلاغية ، وذلك لأن « الأنفس » وهي جمع قلة استعملت هنا مكان جمع الكثرة لتشير إلى معنى التقليل والتهوين من شأن هؤلاء النسوة الطامحات إلى الأزواج قبل تمام عدة صاحبها الأول .
فالآية الكريمة تحدد عدة المرأة المطلقة وتوحى بكمال هذه العدة وتمامها غاية التمام وأسلوبها فيه تشديد على المطلقة في هذا الموقف وفيه لذعات . فكلمة « يتربصن » تشير إلى أنها تعالج أمر نفسها الطامحة إلى الزواج ، وكلمة « بأنفسهن » فيه تهييج لهن ولذع بتوق نفوسهن إلى الرجل . وكان لذع الأسلوب أنكى حينما قال :
« وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ »
« 89 » وكأنه يشير إلى أن بعضهن يفعلن هذا ، وقوله :
« إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ »
« 90 » شرط فيه قسوة . وفي هذا السياق العام أطمئن إلى أن اختيار جمع القلة هنا في كلمة « الأنفس » فيه إشارة إلى التقليل والتهوين لتتلاءم هذه الخصوصية وتتجاوب مع هذا السياق .
( ب ) المعاني البلاغية لصيغ الأفعال :
والزمخشري يلحظ ما في صيغة المضارع من المعاني الأدبية ويشير إلى قدرتها على التصوير واحضار الحدث ، وكأنما تراه العين وتسمعه الأذن .
يقول في قوله تعالى :
« إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ »
« 91 » : « ويسبحن : في معنى مسبحات على الحال ، فان ، قلت : هل من فرق بين يسبحن ومسبحات ؟ قلت : نعم ، وما اختير يسبحن على مسبحات الا لذلك وهو الدلالة على حدوث التسبيح من الجبال شيئا
هامش
( 89 ) البقرة : 228
( 90 ) البقرة : 228
( 91 ) سورة ص : 18