تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
وآن هذا جاء فقط في ثلاثة مواضع في قوله تعالى :
« إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً »
« 7 » ، فبين واو
« كَوْكَباً »
وياء
« رَأَيْتُ »
ثمانية أحرف كلها متحركات . . . وأن يدركوا - مثلا - أنه لم يجتمع في القرآن حاءان متتاليتان الا في آيتين : الأولى قوله تعالى في سورة البقرة :
« عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى »
« 8 » والثانية في سورة الكهف :
« لا أَبْرَحُ حَتَّى »
« 9 » وليس في القرآن كافان في كلمة واحدة لا حرف بينهما الا في موضعين : في البقرة :
« مَناسِكَكُمْ »
وفي المدثر :
« ما سَلَكَكُمْ »
. ومما يذهب بجلال العلم في النفوس أن نقرأ مثل هذا من غير أن نفكر في الجهد المبذول فيه ، والذي انتهى إلى هذه النتائج ، ولم يكن هذا التدقيق البالغ في الشكل اللغوي الا وسيلة من وسائل التدقيق الأكثر في النظر إلى المعاني . وهب أننا قرأنا « قفا نبك » قراءة تستوعب خصوصياتها وصورها وخواطرها وعلاقاتها حتى تصل إلى عد حروف المعجم فيها وما تجاور منها مما كثر تجاوره وما قل منها تجاوره ، وهكذا تستوعب أصوات حروفها مقطعا مقطعا ، وحركة حركة ، وتختبر وتبلو وتتذوق كل نغمة ، وكل نبرة ، وكل خاطرة ، وكل فكرة ، هل ترى كلامنا فيها بعد هذا يكون من نوع ما نصفه بها الآن في كتبنا من تلك الأوصاف العامة التي تنطبق على غيرها كما تنطبق عليها ؟ أم ترى أن هذا الدرس المستقصى والمستوعب والمستقرى الذي يعد الأحوال واحدة واحدة ويضع اليد عليها ويقول هذا هذا ، سوف ينتهى بنا لا محالة إلى طريقة أخرى نتناول بها هذا الشعر ؟ ثم إن طريقة التقصي والاستقراء وتفلية الكلام كلمة كلمة وحرفا حرفا وحركة حركة ، لم تكن طريقة علمائنا وهم يدرسون القرآن فحسب وانما قامت علوم العربية كلها عليه سواء في ذلك النحو والتصريف والبلاغة .
هامش
( 7 ) يوسف : 4 ( 8 ) البقرة : 235 ( 9 ) الكهف : 60