[ التعريض : ]
ومما يذكر في هذا الباب أن ابن رشيق قد ذكر التعريض منفصلا عن الكناية وذكر له أمثلة لا تدخل في الارداف والتتبيع ، وقد عول في هذه الأمثلة على السياق ، فهو الذي يحدد المعنى التعريضى كما استقر عليه الرأي بين البلاغيين المتأخرين ، قال ابن رشيق : ومن أنواعها - يعنى الإشارة - التعريض ، كقول كعب بن زهير لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم :
في فتية من قريش قال قائلهم * يبطن مكّة لما أسلموا زولوا
فعرض بعمر بن الخطاب وقيل بأبى بكر رضى اللّه عنه ، ومن مليح التعريض قول أيمن بن خريم الأسدي لبشر بن مروان يمدحه ويعرض بكلف كان بوجه أخيه عبد العزيز حين نفاه عن مصر على يدي نصيب الشاعر لمولاه :
كأن التاج تاج بنى هرقل * جلوه لأعظم الأعياد عيدا
يصافح خدّ بشر حين يمسى * إذا الظلماء باشرت الخدودا
فهذا من خفى التعريض لأنه أوهم السامع أنه انما أراد المبالغة بذكر الظلماء لا سيما وقد قال « حين يمسى » وانما أراد الكلف « 284 »
ولولا السياق في هذه الأبيات ما استطاع النص أن يوضح هذه المعاني التعريضية لأنها تفهم عند اللفظ لا به .
ويذكر ابن قتيبة مثلا وشواهد للتعريض من القرآن بعد ما ذكر صورا للكناية لا تتصل بصورها الاصطلاحية وانما تدور حول الكناية اللغوية . يقول في قوله تعالى :
« لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ »
« 285 » : « لم ينس ولكنها من معاريض الكلام وهذا مروى عن ابن عباس ، ويقول في تفسيره - أراد ابن عباس - أنه لم يقل : انى نسيت ، فيكون كاذبا ولكنه قال :
« لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ »
فأوهم النسيان ولم ينس ولم يكذب ولهذا قيل : ان في المعاريض عن الكذب لمندوحة . ومنه قول إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلم :
« إِنِّي سَقِيمٌ »
« 286 » أي : سأسقم لأن من كتب عليه الموت فلا بد من أن
هامش
( 284 ) العمدة ج 1 ص 303 ، 304
( 285 ) الكهف : 73
( 286 ) الصافات : 89