وهذا الكميت يقول :
ولما رأيت الدّهر يقلب ظهره * على بطنه فعل الممعك بالرّمل
وشاتم الدهر العبقى يقول :
ولما رأيت الدهر وعرا سبيله * وأبدى لنا ظهرا أجبّ مسمّحا
ومعرفة حصّاء غير مفادة * عليه ولونا ذا عثانين أجدعا
وجبهة قرد كالشّراك ضئيلة * وصعّر خدّيه وأنفا مجدّعا
فهؤلاء قد جعلوا الدهر شخصا متكامل الأعضاء تام الجوارح فكيف أنكرت على أبى الطيب أن جعل له فؤادا . « 230 »
وقد يبسط القاضي وجه هذه الاستعارات فيقول : « وذلك أن الريح لما خرجت بعصوفها من الاستقامة وزالت عن الترتيب شبهت بالأهوج الذي لا مسكة في عقله ولا زبر للبه ، ولما كان مدار الأهوج على التباس العقل حسن مع هذا الوجه أن يجعل للريح عقلا » « 231 » وهذه إشارة قريبة إلى ما ذكره البلاغيون من أن اللازم المذكور في الاستعارة المكنية هو ما يكون به قوام وجه الشبه أو كماله كنطق الحال وأظفار الموت .
وقد أشار أبو الفتح عثمان بن جنى إلى طريقة الاستعارة بالكناية ووجه التجوز فيها .
يقول في قوله تعالى :
« وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها »
« 232 » مبينا أن المجاز فيها جاء لأغراضه الثلاثة - أي التشبيه والاتساع والتأكيد - يقول : « وأما التشبيه فلأنها شبهت بمن يصح سؤاله » « 233 » ويقول في قولهم : « بنو فلان يطؤهم الطريق » : « ووجه التشبيه اخبارك عن الطريق بما تخبر به عن سالكيه فشبهته بهم إذ كان هو المؤدى لهم فكأنه هم » « 234 »
هامش
( 230 ) الوساطة ص 429 ، 430 .
( 231 ) المرجع السابق .
( 232 ) يوسف : 82
( 233 ) الخصائص ج 2 ص 442 .
( 234 ) المرجع السابق ص 446 .