وقال في بيان أسباب عجز البشر عن الاتيان بمثله : « ولا تكتمل معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها ( أي الألفاظ الحوامل ) وارتباط بعضها ببعض » .
ويقول في بيان المراد بالنظم وصعوبة بناء الكلام على وجه فيه مستقيم :
« وأما رسوم النظم فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر ، لأنها لجام الألفاظ وزمام المعاني ، وبها تنتظم أجزاء الكلام ويلتئم بعضه ببعض ، فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان » « 5 » .
وحين نتأمل هذا الكلام نجده قريبا من النظم الذي أشار اليه عبد القاهر وجعله أساس بحثه في الاعجاز البلاغي ، لأنه يعنى الروابط بين الكلمات والجمل ، وليس هذا الا توخى معاني النحو كما يقول عبد القاهر .
وقد نقل القاضي أبو الحسن عبد الجبار كلاما لشيخه أبى هاشم في النظم بالمعنى الذي أراده أبو بكر محمد بن الطيب ، وأبو هاشم يرفض أن يكون النظم بهذا المعنى وجها من وجوه الاعجاز ، لأن الاعجاز كما يراه يرجع إلى جزالة اللفظ وحسن المعنى الذي تتحقق بهما الفصاحة ، وليس فصاحة الكلام كما يقول بأن يكون له نظم مخصوص ، لأن الخطيب - عندهم - قد يكون أفصح من الشاعر والنظم مختلف إذا أريد بالنظم اختلاف الطريقة ، وقد يكون النظم واحدا وتقع المزية في الفصاحة « 6 » .
ثم أشار أبو هاشم إلى حجة قوية يبطل بها أن يكون النظم بمعنى الطريقة وجها من وجوه الاعجاز ، فذكر أن القرآن بعد ما جاء بهذه الطريقة وشرعها لفصحائهم كيف يتحداهم بها ويطلب منهم الاتيان بسورة من مثله ؟ ومثله أي طريقته في النظم بهذا المفهوم ، قد صارت
هامش
( 5 ) المرجع السابق .
( 6 ) المغنى ج 16 ص 197