والذي يعنيني أن أشير اليه هنا هو كتاب حقائق التأويل في متشابه التنزيل لأنه يتميز بمحاولات تجتهد في أن تستنبط كثيرا من المعاني ، وأن تشير إلى كثير من الاحتمالات التي يمكن للكلام أداؤها ، وهو بهذا يكون أقرب إلى تفسير المعتزلة من كتابيه السابقين .
ولننظر إلى ما يقوله في قوله تعالى :
« وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ »
« 159 » ، وكيف كان التعبير بالرجوع هنا موحيا بأن الأمر كأنه انفلت من يده سبحانه ثم رجع اليه .
يقول : « ما معنى رجوع الأمور اليه وهي غير خارجة عن سلطانه وقدرته وتقلب العباد جميعا في قبضته وملكته ، وهذا يدل على أن الأمور تخرج عن تدبيره حتى يصح أن توصف بالرجوع اليه بعد الخروج عنه ؟
الجواب : ذكرنا لمن سأل عن معنى قوله :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ »
« 160 » أقوالا كلها تخرجه تعالى عن أن يكون مكلفا فوق الطاقة ، وآمرا بغير الاستطاعة أقوالا تكشف عن المراد بهذا القول عند اعتراض ما يقتضيه ، فمنها قولهم : ان معنى ذلك :
اتقوا اللّه في القيام بأداء ما فرض عليكم واستعملت به أبدانكم وجوارحكم » . . . ثم ذكر أقوالا كثيرة في توضيح معنى
« اتَّقُوا اللَّهَ »
وجعل ذلك مقدمة لتفسير رجوع الأمور اليه سبحانه حيث بنى عليها قوله في هذه الآية ، ومع هذه الأقوال نورد هاهنا ما يكون أنقع للغلة وأكشف للشبهة ، فنقول : قد قال العلماء في ذلك أقوالا منها أن اللّه ملك الناس في دار التكليف أمورا تملكوها ووصفوا بالملك لها ، وسمى تعالى بعضهم ملوكا على هذا المعنى فقال تعالى :
« اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً »
« 161 » . قال بعض المفسرين في ذلك : أنه جعلكم تملكون أمركم لا يغلبكم عليه غالب ولا يحول بينكم وبينه حائل ،
هامش
( 159 ) آل عمران : 109
( 160 ) آل عمران : 102
( 161 ) المائدة : 20