فصل موقف ابن القيم من الإسرائيليات :
10 - للعلماء موقف مما روي من أقاويل أهل الكتاب ، يقفون به موقف الاحتياط والحذر وغالبا الرفض ، وذلك مبناه على قوله صلى اللّه عليه وسلم : « بلغوا عني ولو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » عن ابن عمرو ( صحيح الجامع : 2834 ) .
ولهذا يقول ابن كثير رحمه اللّه تعالى : « . . . هذه الأحاديث الإسرائيليات تذكر للاستشهاد ، لا للاعتضاد ، فإنها على ثلاثة أقسام :
أحدها : ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح .
الثاني : ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه .
الثالث : ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل ، فلا نؤمن به ولا نكذبه ويجوز حكايته لما تقدم ، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني . . »
( تفسير ابن كثير 1 / 3 ) ، ثم ضرب أمثلة لذلك ، كأسماء أصحاب الكهف وكلبهم ، ونوع الشجرة التي أكل منها آدم . . . إلخ .
ويذكر كثير من المفسرين ذلك ظنّا أن هذا من العلم النفيس ، فحشوا كتبهم به وهو غث وغش فصرفوا المسلمين عن مقاصد الكتاب الهادي المنير ، إلى ( خزعبلات ) وأباطيل أهل الكتاب ، وغفلوا أن اللّه تعالى إنما سكت عن أسماء كثير من الأماكن والأشخاص ليعلمنا أنها ليست مقاصد الكتاب العزيز ، فما الذي يفيد في تعين اسم ذي القرنين ، وموطنه ، وأماكن رحلاته ، ثم تراهم يقفون عند هذا ، ويغفلون عن قاعدة هامة من قواعد صلاح الأمم واستقامة الحياة قاعدة العدل والإحسان وانتقاد الظلم ، كما في قوله تعالى :
قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ( 86 ) قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً ( 87 ) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً
( 88 ) [ الكهف ] فلا يعطون لمثل هذه الآية النفيسة ما تستحقه ؛ لأن ذلك على خلاف هوى الطغاة والجبابرة وحسبنا اللّه ونعم الوكيل .
وهنا نقف على جوهرة ثمينة من جواهر العلم النفيس لابن كثير - ولم لا - وهو ممن أزهر وأثمر ببستان شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم - يقول ابن كثير في أحسن ما