تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
بصر لها ، ولا حياة لها ، ولا كلام لها ، ولا علم ، وليس هذا رب العالمين ، وكلامه تعالى ، وعلمه وحياته وقدرته ومشيئته ورحمته ، داخلة في مسمى اسمه ، فهو - سبحانه - بصفاته وكلامه الخالق ، وكل ما سواه مخلوق . وأما إضافة القرآن إلى الرسول فإضافة تبليغ محض لا إنشاء . والرسالة تستلزم تبليغ كلام المرسل ، ولو لم يكن للمرسل كلام يبلغه الرسول لم يكن رسولا ، ولهذا قال غير واحد من السلف : من أنكر أن يكون اللّه متكلما ، فقد أنكر رسالة رسله ، فإن حقيقة رسالتهم تبليغ كلام من أرسلهم . فالجهمية وإخوانهم ردوا تلك النصوص المحكمة بالمتشابه ، ثم صيّروا الكل متشابها ، ثم ردوا الجميع ، فلم يثبتوا للّه فعلا يقوم به يكون به فاعلا ، كما لم يثبتوا له كلاما يقوم به يكون به متكلما . فلا كلام له عندهم ولا أفعال ، بل كلامه وفعله عندهم مخلوق ، منفصل عنه ، وذلك لا يكون صفة له ، لأنه سبحانه إنما يوصف بما قام به ، لا بما لم يقم به . المثال الثاني عشر : وقد تقدم ذكره مجملا فنذكره هاهنا مفصلا : رد الجهمية النصوص المتنوعة المحكمة على علو اللّه على خلقه ، وكونه فوق عباده من ثمانية عشر نوعا : أحدها : التصريح بالفوقية مقرونة بأداة « من » المعينة لفوقية الذات ، نحو :
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
( 50 ) [ النحل ] . الثاني : ذكرها مجردة عن الأداة ، كقوله :
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ
[ الأنعام : 18 ] . الثالث : التصريح بالعروج إليه ، نحو :
تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ
[ المعارج : 4 ] ، وقوله النبي صلى اللّه عليه وسلم : « فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم » « 1 » . الرابع : التصريح بالصعود إليه ، كقوله :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ
[ فاطر : 10 ] . الخامس : التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه ، كقوله :
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ
[ النساء : 158 ] ، وقوله :
إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ
[ آل عمران : 55 ] . السادس : التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتا وقدرا وشرفا ، كقوله :
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
[ البقرة : 255 ] ،
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ
[ سبأ : 23 ] ،
إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ
[ الشورى : 51 ] . السابع : التصريح بتنزيل الكتاب منه ، كقوله :
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 522 ) في مواقيت الصلاة ، ومسلم ( 1001 ) في المساجد ، ورواه غيرهما .