ولو كان المراد ما فهمه هؤلاء الذين لا فقه لهم في فهم النصوص ، لم يكن فرق بين ذلك وبين كل قتل وكل فعل من شرب أو زنا أو سرقة أو ظلم ، فإن اللّه خالق الجميع ، وكلام اللّه ينزه عن هذا .
وكذلك قوله : « ما أنا حملتكم ، ولكن اللّه حملكم » ، لم يرد أن اللّه حملهم بالقدر ، وإنما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم متصرفا بأمر اللّه منفذا له ، فاللّه - سبحانه - أمره بحمله ، فنفذ أوامره ، فكأن اللّه هو الذي حملهم ، وهذا معنى قوله : « واللّه إني لا أعطي أحدا شيئا ولا أمنعه » ، ولهذا قال : « وإنما أنا قاسم » ، فاللّه - سبحانه - هو المعطي على لسانه ، وهو يقسم ما قسمه بأمره .
وكذلك قوله في العزل : « فسيأتيها ما قدر لها » ، ليس فيه إسقاط الأسباب ، فإن اللّه سبحانه إذا قدر خلق الولد ، سبق من الماء ما يخلق منه الولد ، ولو كان أقل شيء ، فليس من كل الماء يكون الولد ، ولكن أين في السنة أن الوطء لا تأثير له في الولد البتة ، وليس سببا له ؟ وأن الزوج أو السيد إن وطئ أو لم يطأ ، فكلا الأمرين بالنسبة إلى حصول الولد وعدمه على حد سواء كما يقوله منكرو الأسباب ؟
المثال العاشر : رد الجهمية النصوص المحكمة الصريحة التي تفوت العد على أن اللّه - سبحانه - تكلم ويتكلم وكلم ويكلم ، وقال ويقول ، وأخبر ويخبر ، ونبأ وينبئ ، وأمر ويأمر ، ونهى وينهى ، ورضي ويرضى ، ويعطي ، ويبشر وينذر ويحذر ، ويوصل لعباده القول ، ويبين لهم ما يتقون ، ونادى وينادي ، وناجى ويناجي ، ووعد وأوعد ، ويسأل عباده يوم القيامة ويخاطبهم ، ويكلم كلّا منهم ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب ، ويراجعه عبده مراجعة .
وهذه كلها أنواع الكلام والتكليم ، وثبوتها بدون صفة التكلم له ممتنع ، فردها الجهمية مع إحكامها صراحتها وتعيينها للمراد منها ، بحيث لا تحتمل غيره بالمتشابه من قوله :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
.
المثال الحادي عشر : ردوا محكم قوله :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
[ الأعراف : 54 ] وقوله :
وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي
[ السجدة : 13 ] وقوله :
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ
[ النحل :
102 ] وقوله :
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
[ النساء : 164 ] وقوله :
إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي
[ الأعراف : 144 ] ، وغيرها من النصوص المحكمة بالمتشابه من قوله :
خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ
[ الرعد : 16 ] وقوله :
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ
( 40 ) [ التكوير ] والآيتان حجة عليهم ، فإن صفات اللّه جل جلاله داخلة في مسمى اسمه ، فليس اللّه اسما لذات لا سمع لها ، ولا