ويجوز أيضا أن يكون إنّما سمّى جميع هذه الوجوه واللّغات المختلفة والقراءات المتغايرة حرفا على تأويل أنّ كلّ شيء منها طريقة وسبيل على حدّتها غير الطريقة الأخرى ، كما قال سبحانه :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ
[ الحج : 11 ] أي على سبيل وطريق ، وإن تغيّرت عليه تغيّر عن عبادته وشكره على حسب ما شرحناه من قبل ، وإذا كان ذلك كذلك سقط قوله إنّ الإعراب في الإمالة لا يسمّى حرفا ، لأنّ الحرف هاهنا على هذا التأويل ، ليس المراد به الصور من الخطّ الممثّل ، وإنّما هي الطريقة والوجه والسبيل فقط .
وليس في جميع القراءات المنزّلة التي يسوغ الاختلاف فيها وصوّب القارءون لسائرها ما يتضادّ معناه وينفي بعضه بعضا وإنّما فيه مختلف / اللفظ [ 256 ] والإعراب ، وإن كان معناه واحدا ومختلف الصورة واللفظ والإعراب والبناء ، لتضمّنه معاني مختلفة غير متضادة ولا متنافية مثل قولهم :
باعِدْ
[ سبأ : 19 ] بكسر العين و ( باعد ) بفتحها على الخبر ، وأمثال ذلك مما يختلف ولا يتضاد ، وإنّما المحال المنكر أن يكون فيه قراءات متناقضة متضادة المعاني ، واللّه تعالى عن إنزال ذلك وتصويب جميع القراءة به .
وقال قوم من الناس : إنّ تأويل السبعة الأحرف هو أنّ الاختلاف الواقع في القرآن بجميعه ، ويحيط به سبعة أوجه منها وجه يكون بتغيير اللفظ نفسه ، والوجوه الستّة تكون بأن يثبت اللفظ في جنسها ويتغيّر من قبل واحد منها ، فإنّ الستة الباقية تكون في الجمع والتوحيد والتذكير والتأنيث والتصريف والإعراب ، واختلاف الأدوات ، واختلاف اللغات .
قالوا : والوجه الأول من السبعة الذي هو تغيّر اللفظ في نفسه وإحالته إلى لفظ آخر : هو كقوله :
وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها
[ البقرة :
259 ] ، قالوا : وننشزها بالزاي المعجمة ، وما جرى مجرى ذلك .