تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 10

مساهمون:

ص١٠
يستشفي بها من سقمه ويرتشف منها رحيقا بلسما لروحه ، لا يشبع منها العلماء ، ولا يرقى إليها الحكماء ، ولا تخلق ولا تبلى ، كيف وهي من معين القرآن منشؤها ، وإليه مردّها ، وعنه صدورها ، هي البحر الذي لم يبلغ الراكبون ساحله ، لا ينفد ولا ينتهي ، فهو من كلام اللّه بدا ، وإليه ينتهي قال عنه جل جلاله وهو أعلم بما ينزل :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
[ لقمان : 27 ] . ولبلوغ شيء من هذا الدّر المصون ، والخير المكنون ، صار العلماء منذ العصور الأولى يتسابقون إلى استخراج مكنونه وإدراك شيء من مضمونه ، فألفوا فيه المؤلفات ، وكتبوا من خلاله الإشارات ، ولفتوا الأنظار إلى هذه العبارات ، وجلّوا ما قد يكون فيها من المشكلات ، كما أنّهم تصدّوا وانبروا بالذبّ عن حياض الدين ورد غائلة المعتدين ، ممن يتربصون به الدوائر ويحاولون الدسّ والإفساد وإلصاق الشبهات ، بما لا يمكن أن يصلوا إليه وهمّوا بما لم ينالوا ، فكان أولئك العمالقة لهم بالمرصاد ، فبينوا الغثّ من السمين والصحيح من القسيم ، وانبروا لهم مدافعين منافحين ، بما آتاهم اللّه تعالى من قوة في الإيمان ، وصلابة في البرهان ، وعزيمة على دفع العدوان . والناظر في تاريخنا المشرق يجد أن من علماء هذه الأمة من وفقه اللّه تعالى حتى بلغ في العلم مبلغا ووصل درجة ومنزلة من الاجتهاد في الدين ، تلمح في كتاباتهم الأصالة والعمق وطول النفس فيما هم بصدده من البحوث لتمكنهم في هذا العلم الذي اختصوا به ، من أمثال الأئمة الأربعة المتبوعين ، وأبي سليمان الخطابي في شراح الحديث ، والطحاوي وابن قتيبة في حل المشكلات ، والمبرّد وسيبويه في علوم اللغة ، وأبي بكر الرازي وابن العربي في أحكام القرآن ، ومن أمثال أبي بكر ابن الطيب الباقلّاني في علوم القرآن
الإنتصار للقرآن — صفحة 10 | محمد بن الطيب الباقلاني