ونراه في تأويله قول اللّه سبحانه وتعالى :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
( الفاتحة : 6 ) يقول ما لم يقله في الأصل : " نظم الدرر " في هذا الموضع ، فأحببت أن تسمع ، يقول :
" ( اهدنا ) وأصل الهدى أن يتعدّى إلى مفعول أول بنفسه ، وإلى ثان بحرف الجر ، وهو إمّا " إلى " وهي الأصل ، كقوله سبحانه وتعالى :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
( الفاتحة : 6 )
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( الشورى : من الآية 52 ) أو " اللام " إشارة إلى أنّ الهادي عظيم التأثير في الهداية ، ومنه :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
( الاسراء :
من الآية 9 ) وقد يتسع فيه ، فيحذف الحرف إذا أريد تأثيرا أبلغ مما أريد باللام ، فيتعدى بنفسه ، للإشارة إلى تضمينه معنى " الزم " كقوله تعالى :
وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً
( الفتح : من الآية 2 ) وكهذا الحرف ، فالمعنى أوضح لنا ببيان الطريق ، وإيجاد التوفيق في كلّ شيء يرضيك أنا وجميع عبادك بأن ترشدنا وتدلنا دلالة عظيمة جدا بلطف ومدد بإضافة القوى التي نتمكن بها من معرفة المصلح ، ونصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل ، وتنوّر بصائرنا ، وتوفقنا لنلزم ( الصراط ) أي الطريق الأكمل بما أشعرت به " لام " الكمال ، والتذكير ، الواسع الواضح الذي يسترط [ أي بالسين المهملة ] ويبتلعه بما له من الاتساع المكنى به عن سهولته ووضوحه بما أشار إليه تركيب حروفه ، واختلاف القراء فيها مع التدبّر لصفاتها : انفتاح " سينه " الذي هو الأصل في هذه المادة في رواية " قنبل " عن " ابن كثير " ورويس " عن " يعقوب " ، و " زاؤه " المتولد من إشراب " الصاد " في قراءة " حمزة " و " رائه " وصفير الأولين ، و " الصاد " المبدل من " السين " عند الباقين
وإطباق " صاده " و " طائه " واستعلاؤهما ، وجهر " الزاي " و " الراء " و " الطاء " وشدة " الطاء " وقلقلته ، وما له من التفخيم ، وتكرير " الراء " الذي ضارع به مع التفخيم المستعلية مع رخاوة " السين " و " الصاد " والزاي " وهمس الأولين ، واستفال " السين " و " الزاي " و " الراء " وقيامه بين الشدة والرخاوة ، فامتزج له بما أبانته هذه الحروف المتصفة بهذه الأوصاف المتضادة من اللين والشدة أمر عجيب له سرّ غريب يحتاج إلى شرح طويل يشير [ إلى ] حديث : " الدين يسر ، ولن يشادّ الدين أحد