في سورة البقرة ( ي 217 ) أجمع الرواة على قراءة فك الإدغام فيها ( يرتدد ) وو لم يجمعوا على ذلك في سورة المائدة ( ي : 54 )
في المائدة " قرأ نافع وأبو جعفر وابن عامر ( من يرتدد ) بفك الإدغام وقرأ بقية العشرة ( يرتدّ ) بدال واحدة مشددة " « 1 »
وليس يخفى أن اتفاق الرواة في آية البقرة إنما هو توقيف ، لا مواضعة ، ومثله اختلاف الروايات بالفك والإدغام في المائدة توقيف .
ومن ثمّ كان عليّا النظر في مقتضي تعدد صورة الأداء في المائدة وتوحدها في سورة البقرة
يقول البقاعي في تدبر آية البقرة : " وإجماع القراء على الفك هنا للإشارة إلى أنّ الحبوط مشروط بالكفر ظاهرا باللسان وباطنا بالقلب ، فهو مليح بالعفو عن نطق اللسان مع طمأنينة القلب .
وأشارت قراءة الإدغام في ( المائدة ) إلى أنّ الصبر أرفع درجة من الإجابة باللسان وإن كان القلب مطمئنا " « 2 »
ويقول في سورة المائدة : " ولمّا نهى عن موالاتهم وأخبر أنّ فاعلها منهم نفى المجاز مصرحا بالمقصود ، فقال مظهرا لنتيجة ما سبق ( يا أيها الذين آمنوا ) أي أقروا بالإيمان من يوالهم منكم هكذا كان الأصل ، ولكنه صرح بأنّ ذلك ترك الدين ، فقال ( من يرتد ) ولو على وجه خفي بما أشار إليه الإدغام في قراءة من سوى المدنيين وابن عامر ( منكم عن دينه . . . . . . " « 3 »
آية البقرة في سياق الحكم بإحباط عمل المرتد عن الاسلام في الدنيا والآخرة ، وهذا لا يكون إلا لمن ارتد ظاهرا باللسان وباطنا بالقلب ، والآية قد نصت بالعبارة على الارتداد الباطنيّ بالقلب في قوله : ( فيمت وهو كافر ) فبقي الارتداد الظاهري فكان الأداء هو الدال عليه ، فالفكّ لازم هنا لأن في الفكّ إظهار وهو عمل لسانيّ مما يليح إلى التناسب الدقيق في الإشارة .
ففي الآية جمع بين شرطي إحباط العمل بالردة : الردة ظاهرا مدلولا عليها هنا بفك الإدغام والردة باطنا مدلولا عليه بالعبارة ( فيمت وهو كافر )
هامش
( 1 ) - المبسوط في القراءات العشر لابن مهران : ص 162 - ت : سبيع الحاكمي ، والنشر في القراءات العشر : 2 / 250
( 2 ) - نظم الدرر : 3 / 232 - 233
( 3 ) - السابق : 6 / 190 - 191