الاطلاع على الرتبة فوق الاطلاع على النظم : في " الترتيب " ملاحظة رتب الأشياء وأقدارها ، فلا يوضع شيء إلا في المرتبة التي يستحقها ، أما النظم ، فهو في أصله ضم الأشياء بعضها إلى بعض من غير تقييد بملاحظة رتب هذه الأشياء ومنازلها
يزيدك بصرا بهذا النظر في قول " عبد القاهر " :
" ووجدت المعول علي أن هاهنا
( نظما وترتيبا / وتأليفا وتركيبا )
و ( صياغة وتصويرا / ونسجا وتحبيرا ) « 1 »
فهذه ثمان نسقها الإمام في هذا الموضع نسقا عجيبا دالا على تصاعدها ، فمبدأ مراحل " البناء " " النظم ، ومنتهاها " التركيب " ومبدأ مراحل الهيئة ( التصوير ) : " الصياغة " ومنتهاها " التحبير "
وليس المقام لبسط القول في مقالة " عبد القاهر " لكنّى أردت الإشارة إلى أن الترتيب مرحلة أعلى من مرحلة " النظم " ، في بناء المعاني ، والنظم أساسها جميعا ، ولعلّ ذلك ما جعل " عبد القاهر " يطلقه " على سائر منازل العلاقات بين الكلم ، فما من مرحلة إلا والنظم قائم فيها ،
وإذا ما كانت عبارة " البقاعي " هنا دالة على أنّه يرى أن علم التناسب مقصور على بيان الرتبة بين أجزاء الكلام ، والرتبة واحدة من أحوال الكلام ، فيوحي بتقصير في موقفه ، فإن الأمر يزداد تحريرا بقوله عن صنيعه في بيان التناسب بين الجمل والآيات :
إنه " يمهد لكل جملة مهادا يدلّ الحال الذي اقتضى حلولها ، وأوجب ترتيبها على ما قبلها من شكلها أو ممّا أوجب تأكيدها أو إعراءها وتقييدها ، ونحو ذلك من أفانين الكلام وأساليب النظام " « 2 »
ويبين أن علم التناسب يتناول كل أحوال البيان التركيبية والترتيبية ، وأنّه « به يتبين لك أسرار القصص المكررات ، وأن كل سورة أعيدت فيها قصة فلمعنى ادعى في تلك السورة استدلّ عليه بتلك القصة غير المعنى الذي سيقت له السورة السابقة
ومن هنا اختلفت الألفاظ بحسب الأغراض ، وتغيرت النظوم بالتأخير والتقديم والإيجاز والتطويل مع أنها لا يخالف شيء من ذلك أصل المعنى الذي تكونت به القصة " « 3 »
هامش
( 1 ) - دلائل الإعجاز لعبد القاهر : ص 34
( 2 ) - مصاعد النظر للبقاعي : ج 1 ص 102
( 3 ) - نظم الدرر : 1 / 14