قلت : ولهذا الصّنف المتعالم سلف وخلف ، فهو بلاء متناسل ، - وللأسف - له أشياع وأتباع يروجون لباطله ، ويهللون لأقواله ! !
وقال الطّانزون له فقيه * فصعّد حاجبيه به وتاها
وأطرق للمسائل أي بأنّى * ولا يدري لعمرك ما طحاها
ذكر أبو عمر عن مالك : أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة فوجده يبكى ، فقال : ما يبكيك ؟ أمصيبة دخلت عليك ؟ وارتاع لبكائه ، فقال : لا ، ولكن استفتى من لا علم له ، وظهر في الإسلام أمر عظيم .
قال ربيعة : « ولبعض من يفتى هاهنا أحق بالحبس من السّرّاق ! » قال بعض العلماء :
فكيف لو رأى ربيعة زماننا ، وإقدام من لا علم عنده على الفتيا ، وتوثّبه عليها ، ومدّ باع التّكلّف إليها ، وتسلّقه بالجهل والجرأة عليها مع قلّة الخبرة وسوء السّيرة ، وشؤم السّريرة ، وهو من بين أهل العلم منكر أو غريب فليس له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السّلف نصيب ، ولا يبدي جوابا بإحسان ، وإن ساعد القدر فتواه لعله : فتراه : كذلك يقول فلان ابن فلان :
يمدون للإفتاء باعا قصيرة * وأكثرهم عند الفتاوى يكذلك
وهذا الضّرب إنما يستفتون بالشّكل لا بالفضل ، وبالمناصب لا بالأهلية ، قد غرّهم عكوف من لا علم عنده عليهم ، ومسارعة أجهل منهم إليهم تعجّ منهم الحقوق إلى اللّه عجيجا ، وتضجّ منهم الأحكام إلى من أنزلها ضجيجا .
فمن أقدم بالجرأة على ما ليس له بأهل من فتيا أو قضاء أو تدريس : استحق اسم الذّم ، ولم يحل قبول فتياه ، ولا قضائه ، هذا حكم دين الإسلام :
وإن رغمت أنوف من أناس * فقل يا رب لا ترغم سواها « 1 »
ورحم اللّه الإمام الشّعبي إذ روى أنه قيل له : إنا نستحي لك من كثرة ما تسأل
هامش
( 1 ) من كلام الإمام ابن القيم - رحمه اللّه - .