تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاتجاه العقلي في التفسير — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
أكثر كلامنا فاسدا ، لأنّا نقول : نبت البقل ، وطالت الشجرة ، وأينعت الثمرة ، وأقام الجبل ، ورخص السعر . ونقول : كان هذا الفعل منك في وقت كذا وكذا والفعل لم يكن وإنما كون . ونقول : كان اللّه . وكان بمعنى حدث ، واللّه عز وجل ، قبل كل شيء بلا غاية ، لم يحدث : فيكون بعد أن لم يكن . واللّه تعالى يقول :
فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ
وإنما يعزم عليه . ويقول تعالى :
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
وإنما يربح فيها . ويقول :
وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ
وإنما كذب به . ولو قلنا للمنكر لقوله : ( جدارا يريد أن ينقض ) : كيف كنت أنت قائلا في جدار رأيته على شفا انهيار : رأيت جدار ما ذا ؟ لم يجد بدّا من أن يقول : جدارا يهم أن ينقض ، أو يكاد أن ينقض ، أو يقارب أن ينقض . وأيّا ما قال فقد جعله فاعلا ، ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من لغات العجم ، إلّا بمثل هذه الألفاظ » 127 . غير أن ابن قتيبة يتراجع عن هذا الحماس في الرد على الطاعنين ومنكري المجاز في القرآن ، ذلك الحماس الذي يصل إلى القول بأن المجاز ضرورة تعبيرية لا يستطيع المتكلم منها فكاكا ، حتى فيما يتصل بالحديث عن اللّه عز وجل ، وذلك أن المتكلم يقول : كان اللّه ، وكان بمعنى حدث ، وهذا مما لا يجوز على اللّه . ولكن هذا ما تتيحه مواضعات اللغة التي هي جزء من عالمنا المتناهي وتصوراتنا البشرية القاصرة . فإذا كانت اللغة - بحكم بشريتها - تعجز عن التعبير عن الحيوان والجماد دون أن تسند له الفعل والحواس ، فما بالك حين تعبر هذه اللغة عن المطلق اللامتناهي السرمدي ، إنها ولا شك لا بدّ أن تقع في التشبيه والتجسيد رغما عنها . هذه النظرة لضرورة المجاز ، واثبات عجز المتكلم عن الكلام دون اللجوء للمجاز يتراجع عنها ابن قتيبة ، ولذلك يستنكر تأويل المعتزلة لكلام السماء والأرض وجهنم بأنه مجاز « وأما تأويلهم في قوله جل وعز للسماء والأرض :
ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ :
إنه عبارة عن تكوينه لهما . وقوله لجهنم
هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
إنه اخبار عن سعتها - فمما يحوج إلى التعسف والتماس المخارج بالحيل الضعيفة ؟ وما ينفع من وجود ذلك في الآية والآيتين والمعنى والمعنيين - وسائر ما جاء في كتاب اللّه عز وجل من هذا الجنس ، وفي حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - ممتنع عن مثل هذه التأويلات ؟ وما في نطق جهنم ونطق السماء والأرض من العجب ؟ واللّه تبارك وتعالى ينطق الجلود ، والأيدي ، والأرجل ، ويسخر الجبال والطير بالتسبيح ، فقال :
إِنَّا