حبل ، وكانت دارها متاخمة للنيل ، فكانت ترضعه فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت فأرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها ، فإذا ذهبوا استرجعته إليها به ، قال اللّه تعالى :
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 7 ) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ ( 8 ) وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
( 9 ) ، ( القصص ) . هذا الوحي وحى إلهام وإرشاد كما قال تعالى في سورة النحل :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ( 68 ) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
( 69 ) ، الآية ، وليس هو بوحي نبوة كما زعمه ابن حزم وغير واحد من المتكلمين ، بل الصحيح الأول كما حكاه أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة .
قال السهيلي : واسم أم موسى أيارخا : وقيل : أياذخت . والمقصود : أنها أرشدت إلى هذا الذي ذكرناه وألقى في خلدها وروعها أن لا تخافي ولا تحزني ، فإنه إن ذهب فإن اللّه سيرده إليك ، وإن اللّه سيجعله نبيا مرسلا يعلي كلمته في الدنيا والآخرة ، فكانت تصنع ما أمرت به ، فأرسلته ذات يوم وذهلت أن تربط طرف الحبل عندها ، فذهب مع النيل فمر على دار فرعون
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ
، قال اللّه تعالى :
لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
قال بعضهم : هذه لام العاقبة ، وهو ظاهر إن كان متعلقا بقوله :
فَالْتَقَطَهُ
وأما إن جعل متعلقا بمضمون الكلام ، وهو أن آل فرعون قيّضوا لالتقاطه ليكون لهم عدوا وحزنا ، صارت اللام معللة كغيرها ، واللّه أعلم ، ويقوي هذا التقدير الثاني قوله :
إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ
وهو الوزير السوء
وَجُنُودَهُما
المتابعين لهما
كانُوا خاطِئِينَ
أي كانوا على خلاف الصواب ، فاستحقوا هذه العقوبة والحسرة .