قال اللّه تعالى :
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ
، وذلك أن اللّه تعالى أرسل من السماء مطرا لم تعهده الأرض قبله ، ولا تمطره بعده ، كان كأفواه القرب ، وأمر الأرض فنبعت من جميع فجاجها وسائر أرجائها ، كما قال تعالى في سورة القمر :
فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ( 10 ) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ( 11 ) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ( 12 ) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ
( 13 ) ، والدسر السائر
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
، أي بحفظنا وكلاءتنا ، وحراستنا ، ومشاهدتنا لها ،
جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ
.
وقد ذكر ابن جرير وغيره : أن الطوفان كان في ثالث عشر من شهر آب في حساب القبط ، وقال تعالى :
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ
( 11 ) ، أي السفينة
لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
( 12 ) ، قال جماعة من المفسرين : ارتفع الماء على أعلى جبل بالأرض خمسة عشر ذراعا ، وهو الذي عند أهل الكتاب . وقيل : ثمانين ذراعا ، وعم جميع الأرض طولها والعرض ، سهلها وحزنها وجبالها وقفارها ورمالها ، ولم يبق على وجه الأرض ممن كان بها من الأحياء عين تطرف ، ولا صغير ولا كبير .
قال الإمام مالك عن زيد بن أسلم : كان أهل ذلك الزمان قد ملئوا السهل والجبل ، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لم تكن بقعة في الأرض إلا ولها مالك وحائز ، رواهما ابن أبي حاتم .
وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ ( 42 ) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ
( 43 ) ، وهذا الابن هو : يام أخو سام وحام ويافث ، وقيل : اسمه كنعان ، وكان كافرا عمل عملا غير صالح ، فخالف أباه في دينه ومذهبه فهلك مع من هلك ، هذا وقد نجا مع أبيه الأجانب في النسب ، لما كانوا موافقين في الدين والمذهب
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
( 44 ) ، أي لما فرغ من أهل الأرض ولم يبق منها أحد ممن عبد غير اللّه عزّ وجلّ ، أمر اللّه الأرض